من المودع إلى الشريك: الاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي كحل للأزمة الاقتصادية وأزمة الودائع في لبنان

منبر 13-08-2026 | 10:11

من المودع إلى الشريك: الاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي كحل للأزمة الاقتصادية وأزمة الودائع في لبنان

لم تعد الأزمة اللبنانية مجرد أزمة مالية أو نقدية يمكن معالجتها بإعادة هيكلة المصارف، أو بتثبيت سعر الصرف، أو بالحصول على مساعدات وقروض خارجية.
من المودع إلى الشريك: الاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي كحل للأزمة الاقتصادية وأزمة الودائع في لبنان
تعبيرية
Smaller Bigger

الدكتور نواف كبارة 

 

 

لم تعد الأزمة اللبنانية مجرد أزمة مالية أو نقدية يمكن معالجتها بإعادة هيكلة المصارف، أو بتثبيت سعر الصرف، أو بالحصول على مساعدات وقروض خارجية. فما انفجر منذ عام 2019 هو في الحقيقة أزمة نموذج اقتصادي واجتماعي كامل، قام لعقود على تضخم القطاع المالي والعقاري والخدماتي، في مقابل إضعاف القطاعات المنتجة، وعلى تركّز الثروة والنفوذ الاقتصادي، وعلى علاقة ملتبسة بين المال والسياسة، وعلى دولة تراجعت قدرتها تدريجاً عن توفير الخدمات الأساسية والحماية الاجتماعية لمواطنيها.
لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم لا يقتصر على كيفية الخروج من الأزمة، بل يتعداه إلى سؤال أكثر جوهرية: أي اقتصاد نريد للبنان بعد الأزمة؟
هل المطلوب إعادة بناء النموذج نفسه الذي ساهم في إنتاج الانهيار، أم أن الأزمة تشكل فرصة لإعادة النظر في العلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، وبناء نموذج اقتصادي أكثر إنتاجية وعدالة ومشاركة؟
من هنا تبرز أهمية الاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي بوصفه خياراً يستحق أن يكون جزءاً أساسياً من النقاش حول مستقبل لبنان.
ما هو الاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي؟
يقوم الاقتصاد التقليدي، بصورة مبسطة، على قطبين أساسيين: الدولة من جهة، والقطاع الخاص الربحي من جهة أخرى. لكن بين الاثنين توجد مساحة اقتصادية واسعة تعرف عالمياً بالاقتصاد الاجتماعي، وتشمل التعاونيات والمؤسسات الاجتماعية والمؤسسات المملوكة من العاملين أو المجتمعات المحلية، وصناديق التعاضد وغيرها من المبادرات الاقتصادية التي تجمع بين الاستدامة الاقتصادية والهدف الاجتماعي.
الاختلاف الأساسي هنا يتعلق بالغاية من النشاط الاقتصادي وبملكية ثماره. فالمؤسسة التقليدية تسعى أساساً إلى تحقيق العائد لأصحاب رأس المال، بينما تسعى مؤسسات الاقتصاد الاجتماعي إلى تحقيق عائد اقتصادي مستدام بالتوازي مع منفعة اجتماعية أو مجتمعية.
ولا يعني ذلك إلغاء الربح أو رفض القطاع الخاص، كما لا يعني العودة إلى اقتصاد تديره الدولة بالكامل. الاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي يقع بين النموذجين ويضيف إليهما شكلاً ثالثاً من الملكية والمبادرة: الملكية المجتمعية والمشاركة الاقتصادية الديموقراطية.
والمقصود بالملكية المجتمعية هنا ليس أن تتولى الجماعات المحلية أو المواطنين الإدارة اليومية للمؤسسات، وإنما أن تتوزع ملكية جزء من الثروة المنتجة على قاعدة واسعة من المواطنين، بينما تتولى الإدارة فرق مهنية مستقلة تعمل وفق قواعد اقتصادية وتجارية واضحة.
وهنا يصبح الفصل بين الملكية والإدارة عنصراً أساسياً في النموذج المقترح.
لماذا يحتاج لبنان إلى هذا الخيار؟
تكمن إحدى مشكلات الاقتصاد اللبناني في أنه أصبح، مدى عقود، اقتصاداً شديد الاعتماد على المصارف والعقارات والخدمات والتحويلات الخارجية، في حين بقيت الزراعة والصناعة والقطاعات الإنتاجية من دون إمكاناتها الحقيقية.
وترافق ذلك مع تركّز الثروة والنفوذ الاقتصادي، وتفاوت كبير بين المناطق، وضعف في الحماية الاجتماعية، وارتفاع البطالة والهجرة، خصوصاً بين الشباب.
وفي الوقت نفسه، تراجعت قدرة الدولة على توفير الكهرباء والنقل والصحة والتعليم والبنية التحتية والحماية الاجتماعية، ما دفع المواطنين إلى البحث عن بدائل خاصة أو طائفية أو مناطقية.
هنا يستطيع الاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي أن يفتح مساحة مختلفة: مساحة لا يكون فيها المواطن مجرد متلقٍ لخدمة من الدولة، ولا مجرد مستهلك في السوق، بل شريك ومالك ومنتج.
من الزراعة والطاقة إلى التكنولوجيا
يمكن تطبيق هذا النموذج في قطاعات عديدة في لبنان.
ففي الزراعة، تستطيع التعاونيات الحديثة جمع المزارعين في عكار والبقاع والشمال والجنوب من ضمن شبكات إنتاج وتسويق وتصنيع غذائي مشتركة، بما يخفض تكلفة الإنتاج، ويحسن القدرة على التفاوض والتصدير، ويتيح استخدام التكنولوجيا الحديثة.
وفي قطاع الطاقة، يمكن البلديات والسكان تأسيس تعاونيات للطاقة الشمسية والمتجددة تكون ملكيتها موزعة على المجتمع المحلي، بحيث يتحول المواطن من مجرد مستهلك للكهرباء إلى شريك في إنتاجها.
كما يمكن إنشاء مؤسسات اجتماعية في التكنولوجيا والسياحة والصناعات الثقافية والخدمات الرقمية توفر فرصاً للشباب وتحدّ من الهجرة.
ويمكن أن يكون الاقتصاد الاجتماعي أداة مهمة لإدماج الأشخاص ذوي الإعاقة اقتصادياً، ليس باعتبارهم مستفيدين من برامج الرعاية، وإنما بوصفهم أصحاب مشاريع وعاملين ومنتجين ومساهمين في الملكية واتخاذ القرار.
ويمكن تطبيق المنطق نفسه في الخدمات الصحية والتأهيلية والرعاية المنزلية والنقل والخدمات البلدية وإدارة النفايات وغيرها من القطاعات.
الاقتصاد الاجتماعي وإعادة بناء الثقة
لكن أهمية الاقتصاد الاجتماعي بالنسبة إلى لبنان تتجاوز الاقتصاد نفسه.
فلبنان يعاني أيضاً أزمة ثقة وأزمة عقد اجتماعي. وقد جعل النظام السياسي الطائفي الحصول على الوظيفة والخدمة والفرصة الاقتصادية مرتبطاً، في حالات كثيرة، بالزعيم أو الحزب أو الشبكة الزبائنية.
أما حين يمتلك المواطنون مؤسساتهم الاقتصادية بصورة مشتركة، فإن علاقة مختلفة تبدأ بالتشكل بينهم.
فالمزارع في عكار، والعامل في طرابلس، وصاحب المبادرة في بيروت، والمنتج في الجنوب يمكن أن تجمعهم مصلحة اقتصادية مشتركة تتجاوز الانتماءات الطائفية والمناطقية.
وهنا يتحول الاقتصاد الاجتماعي إلى أكثر من وسيلة لخلق فرص العمل. يصبح أداة لبناء الثقة والتعاون والمصلحة المشتركة، وبالتالي أداة محتملة لتعزيز السلم الأهلي.
من المودع إلى الشريك: الاقتصاد المجتمعي وأزمة الودائع
تبقى أزمة المصارف والودائع إحدى أعقد القضايا أمام أي مشروع للتعافي الاقتصادي في لبنان. وبعد سنوات من الأزمة، لا يزال المودعون ينتظرون جواباً واضحاً عن سؤال بسيط ومؤلم: أين أموالهم وكيف ستُعاد إليهم؟
قد يكون من الضروري هنا التفكير خارج الخيارات التقليدية.
فبدلاً من أن يبقى المودع دائناً ينتظر سنوات لاسترداد أمواله، أو أن يتحمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة خسائر النظام المالي، يمكن البحث في تحويل جزء من حقوق المودعين، على أساس اختياري وعادل وضمن خطة شاملة لتوزيع الخسائر والمسؤوليات، إلى ملكية حقيقية في أصول ومؤسسات منتجة.
يمكن، على سبيل المثال، إنشاء صندوق وطني مستقل توضع فيه حصص أو حقوق اقتصادية في مجموعة من الأصول والمؤسسات والمشاريع العامة المنتجة، مثل الاتصالات والطاقة والمرافئ والمطار وبعض مشاريع البنية التحتية والنقل وغيرها من الاستثمارات المستقبلية.
وتُمنح للمودعين، في مقابل جزء محدد من حقوقهم وبموافقتهم، حصص في هذا الصندوق تخولهم الاستفادة من عائداته.
وبذلك لا نقول للمودع: لقد خسرت أموالك. ولا نقول له أيضاً: انتظر عشرين سنة علّ الدولة أو المصارف تتمكن من إعادتها.
بل نقول له: لك حق مالي، ويمكن تحويل جزء من هذا الحق إلى ملكية منتجة تدر دخلاً وتزداد قيمتها مع نمو الاقتصاد.
وهذا فرق جوهري.
فالمواطن الذي كان مودعاً في مصرف يصبح، من خلال آلية كهذه، شريكاً في جزء من الثروة الإنتاجية الوطنية.
ولا ينبغي أن يكون هذا بديلاً من تحديد المسؤوليات وتوزيع الخسائر بصورة عادلة بين الدولة والمصرف المركزي والمصارف ومساهميها وغيرهم وفق القانون. كما ينبغي إعطاء الأولوية لحماية المودعين الصغار وإعادة أكبر قدر ممكن من ودائعهم نقداً. فالملكية المجتمعية ينبغي أن تكون جزءاً من حل عادل، لا وسيلة جديدة لشطب الودائع.
بين فشل الإدارة العامة ومخاطر الخصخصة
تطرح هذه الفكرة سؤالاً أوسع: إذا أردنا استخدام المؤسسات والأصول العامة بصورة منتجة، فمن يجب أن يملكها ويديرها؟
لقد أظهرت التجربة اللبنانية أن الدولة، في ظل نظام سياسي طائفي وزبائني، تواجه صعوبة كبيرة في إدارة المؤسسات التجارية والإنتاجية على أسس اقتصادية سليمة ومستدامة.
والمشكلة ليست في الملكية العامة بحد ذاتها، بل في خضوع الإدارة العامة للمحاصصة السياسية والطائفية، وفي التوظيف الزبائني، وتدخل القوى السياسية في التعيينات والمشتريات والقرارات الاستثمارية، وضعف المساءلة وغياب الاستمرارية في السياسات العامة.
وهكذا يمكن أن تتحول المؤسسة التي يفترض أن تكون ملكاً لجميع اللبنانيين إلى مساحة لتقاسم النفوذ والمنافع بين القوى السياسية.
لكن الحل المقابل، أي خصخصة هذه المؤسسات وتسليمها ببساطة إلى القطاع الخاص، يحمل مخاطر لا تقل أهمية.
ففي اقتصاد يعاني أصلاً من تركّز الثروة والنفوذ ومن ضعف المنافسة والرقابة، يمكن أن تؤدي الخصخصة التقليدية إلى انتقال الأصول العامة من سيطرة الطبقة السياسية إلى ملكية عدد محدود من أصحاب رؤوس الأموال والمصالح والنفوذ.
وعندها لا نكون قد عالجنا مشكلة تركّز السلطة الاقتصادية، بل نقلناها من احتكار عام خاضع للمحاصصة إلى احتكار خاص قد يكون أكثر صعوبة في إخضاعه للمساءلة.
وهنا تحديداً تظهر أهمية الاقتصاد المجتمعي والملكية المجتمعية كخيار ثالث بين سيطرة الدولة والخصخصة التقليدية.
الملكية المجتمعية: الطريق الثالث
بدلاً من أن تبقى المؤسسة الاقتصادية ملكاً للدولة وتدار مباشرة من الجهاز السياسي والإداري، وبدلاً من بيعها إلى مستثمر أو مجموعة محدودة من المستثمرين، يمكن تحويلها إلى شركة أو مؤسسة ذات ملكية واسعة موزعة على المواطنين أو المودعين أو العاملين أو البلديات أو صناديق اجتماعية واستثمارية مستقلة.
وفي هذا النموذج يجب الفصل بوضوح بين الملكية والإدارة.
فالملكية يمكن أن تكون موزعة مجتمعياً، بينما توكل الإدارة إلى مجالس إدارة محترفة ومستقلة تعمل وفق معايير تجارية واضحة وتخضع للمحاسبة والتدقيق والإفصاح.
وبذلك لا تعني الملكية المجتمعية أن يدير المواطنون المرفأ أو شركة الاتصالات أو مؤسسة الطاقة بأنفسهم. إنها تعني أنهم يمتلكون، بصورة مباشرة أو من خلال صناديق مستقلة، جزءاً من هذه المؤسسات، بينما يتولى إدارتها متخصصون محترفون يخضعون للمساءلة أمام أصحاب الملكية.
ويمكن أن تتوزع الملكية، بحسب طبيعة كل مؤسسة، بين الدولة والمواطنين والمودعين والعاملين والبلديات وصناديق التقاعد أو الضمان والمستثمرين المؤسساتيين، مع وضع سقوف تمنع تركز الأسهم في يد عدد محدود من الأشخاص أو الشركات.
وهكذا نصل إلى معادلة مختلفة:
الدولة لا تدير النشاط التجاري بصورة مباشرة، ورأس المال الخاص لا يحتكر ملكيته، والمواطن لا يبقى مجرد مستهلك للخدمة، بل يصبح شريكاً في الأصل الاقتصادي وفي العائد الناتج منه.
وتكتسب هذه الفكرة أهمية إضافية عند ربطها بأزمة الودائع.
فبدلاً من بيع أصول الدولة إلى المستثمرين الكبار من أجل تمويل جزء من الخسائر، يمكن نقل جزء من الحقوق الاقتصادية في هذه الأصول إلى صندوق ملكية للمواطنين والمودعين.
وهكذا تصبح إعادة هيكلة بعض المؤسسات العامة وحل أزمة الودائع جزءاً من مشروع واحد هدفه توسيع قاعدة الملكية في الاقتصاد اللبناني.
ولكن أليست هذه خصخصة مقنّعة؟
الخطر موجود إذا أسيء تصميم المشروع.
فالهدف ليس بيع أملاك الدولة بثمن بخس، ولا نقلها إلى مجموعة من المستثمرين أو المصارف أو القوى السياسية. فهذا لن يكون إصلاحاً، بل إعادة توزيع جديدة للثروة لمصلحة الأقوى.
الفكرة المقترحة هي العكس تقريباً: توسيع الملكية بدلاً من تركيزها.
أي تحويل جزء من الأصول المنتجة إلى ملكية واسعة موزعة على المواطنين أصحاب الحقوق عبر صندوق مستقل ومحترف وشفاف.
ولذلك لا يمكن تنفيذ هذه الفكرة من دون شروط صارمة، في مقدمها الإدارة المهنية المستقلة، والتدقيق الخارجي، ونشر الحسابات بصورة دورية، والحماية القانونية لحقوق المساهمين، ومنع القوى السياسية من التدخل في إدارة الصندوق أو المؤسسات التابعة له.
كما ينبغي وضع قواعد تمنع لاحقاً تجميع الحصص وشرائها بثمن مخفوض من المواطنين، بحيث نجد أنفسنا بعد سنوات أمام إعادة تركيز الملكية في أيدي قلة. فلا معنى لتوزيع الملكية اليوم إذا كان النظام يسمح بإعادة احتكارها غداً.
العقبة الحقيقية سياسية
قد تبدو العقبات القانونية والمالية كبيرة، لكنها ربما ليست الأصعب.
العقبة الأساسية سياسية. فالنموذج الاقتصادي اللبناني ارتبط تاريخياً بعلاقات متشابكة بين السياسة والمال والمصارف والمصالح الاقتصادية الكبرى وشبكات الزبائنية الطائفية.
والاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي، إذا أخذ على محمل الجد، فيعيد توزيع جزء من القوة الاقتصادية.
عندما يصبح المزارعون شركاء في مؤسساتهم، وعندما تمتلك المجتمعات المحلية مشاريع الطاقة، وعندما يصبح المودعون مساهمين في أصول وطنية منتجة، فإننا لا نغير طريقة إدارة الاقتصاد فقط، بل نغير أيضاً توزيع القوة داخله.
وهذا يعني أن مقاومة المشروع ستكون سياسية بقدر ما ستكون اقتصادية.
فالاقتصاد الاجتماعي يقلل اعتماد المواطن على شبكات الزبائنية، ويخلق مصادر مستقلة للعمل والدخل والخدمات، ويوسع قاعدة الملكية.
كما أن تحويل بعض الأصول العامة إلى ملكية مجتمعية واسعة قد يصطدم بقوى ترى في هذه الأصول مجالاً للسيطرة السياسية أو للخصخصة التقليدية.
لذلك يحتاج مشروع كهذا إلى تحالف اجتماعي واسع يضم المودعين والبلديات والمزارعين والعمال والشباب والأشخاص ذوي الإعاقة والنقابات والمجتمع المدني والقطاع الخاص المنتج والانتشار اللبناني.
نحو نموذج لبناني للاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي
ليس المطلوب استنساخ تجربة إسبانيا أو فرنسا أو إيطاليا أو غيرها. للبنان تركيبته الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخاصة، ولذلك يحتاج إلى نموذج لبناني.
ويمكن هذا النموذج أن يستفيد من عناصر قوة موجودة أصلاً: المجتمع المدني النشط، والبلديات، والتقاليد التعاونية والتعاضدية، والقطاع الخاص المنتج، والجامعات، والانتشار اللبناني الواسع، إضافة إلى قدرة المجتمعات المحلية على التنظيم والمبادرة حين تعجز الدولة.
ويمكن إطلاق استراتيجية وطنية للاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي تقوم على إطارٍ قانوني حديث للمؤسسات الاجتماعية والتعاونيات، وصندوق للاستثمار الاجتماعي، وبرامج بلدية للتنمية التعاونية، وصناديق لدعم المبادرات الشبابية، ومشاريع للطاقة المتجددة، وتعاونيات للإنتاج الزراعي والصناعي، وبرامج اقتصادية يقودها الأشخاص ذوو الإعاقة، إضافة إلى صندوق ملكية للمودعين والمواطنين مرتبط بالأصول والمشاريع المنتجة.
والأهم أن تكون الدولة في هذا النموذج منظّمة وضامنة وشريكة، لا مديراً بيروقراطياً لكل نشاط اقتصادي، وأن يبقى للقطاع الخاص دوره الأساسي في الاستثمار والإنتاج والابتكار.
فالاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي ليس بديلاً من الدولة أو القطاع الخاص. إنه ضلع ثالث يضاف إليهما لإعادة التوازن إلى الاقتصاد.
من إنقاذ الاقتصاد إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي
لقد كشفت الأزمة اللبنانية حدود النموذج الذي حكم الاقتصاد لعقود. ولذلك سيكون من الخطأ اختزال مشروع التعافي في محاولة إعادة بناء النظام السابق بالشروط نفسها التي كان يعمل بها قبل عام 2019.
لبنان بحاجة إلى اقتصاد ينتج أكثر مما يضارب، ويوزع الفرص بدلاً من تركيزها، ويحول المواطنين من زبائن سياسيين ومستهلكين إلى منتجين وشركاء وأصحاب ملكية.
ومن هنا يمكن أن يشكل الاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي أحد أعمدة النموذج الاقتصادي الجديد.
وقد تكون أزمة الودائع نفسها، على قسوتها، فرصة لإطلاق أحد أكبر برامج توسيع الملكية الشعبية في تاريخ لبنان، شرط ألا يستخدم ذلك ذريعة لإعفاء الدولة والمصارف والمساهمين من مسؤولياتهم أو لشطب حقوق المودعين.
المسألة في النهاية ليست اقتصادية فقط. إنها تتعلق بالسؤال عمن يملك لبنان الاقتصادي بعد الأزمة؟
هل نعيد إنتاج اقتصاد تتركز فيه الثروة والملكية والقرار في أيدي قلة، فيما يبقى المواطن تابعاً للدولة أو للطائفة أو للمصرف؟ أم نبني اقتصاداً تتوزع فيه الملكية والفرص والمسؤولية على قاعدة أوسع من اللبنانيين؟
وهنا تبرز فكرة "من المودع إلى الشريك".
فبدلاً من أن تنتهي الأزمة بمواطن خسر مدخراته ودولة خسرت أصولها ومصارف تحاول إعادة إنتاج نفسها، يمكن أن يكون جزء من الحل في نشوء مواطن يمتلك حصة فعلية في الاقتصاد المنتج، ويستفيد من نموه، وله مصلحة مباشرة في حسن إدارته واستدامته.
من هنا يصبح الاقتصاد الاجتماعي والمجتمعي أكثر من مجموعة تعاونيات أو مؤسسات اجتماعية. إنه تصور مختلف للعلاقة بين الدولة والسوق والمجتمع، ومحاولة لإعادة توزيع الملكية الاقتصادية بصورة أوسع من دون الوقوع في فخ الإدارة الحكومية المباشرة أو الخصخصة الاحتكارية.
فالأزمة التي دمرت جزءاً كبيراً من الثروة والثقة في لبنان لا ينبغي أن تنتهي بمجرد إعادة بناء ما انهار.
الفرصة الحقيقية قد تكون في بناء نموذج مختلف: دولة تنظّم وتحمي، قطاع خاص ينتج ويبتكر، ومجتمع لا يقف متفرجاً بينهما، بل يملك ويشارك ويستفيد.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
فن ومشاهير 8/10/2026 8:30:00 AM
مديحة الحمداني تعلن بدايتها الجديدة وتكشف عن زوجها، لتنهي رسمياً التساؤلات حول علاقتها السابقة بالنجم قصي خولي والد طفلها عميد.