اتفاق الإطار في واشنطن يرسم خارطة طريق لاستعادة الأراضي!
محمد عبدالله - كاتب وباحث سياسي
أكثر من ستين قرية وبلدة في جنوب لبنان وقعت تحت السيطرة الإسرائيلية نتيجة الحرب الأخيرة وما سبقها من مواجهات عسكرية ارتبطت بما سُميت "حرب الإسناد"، والتي أدخل فيها حزب الله لبنان في مواجهة واسعة حملت البلاد خسائر بشرية واقتصادية وعمرانية غير مسبوقة، فيما دفع اللبنانيون الثمن الأكبر من أمنهم واستقرارهم ومستقبلهم.
وسط هذا المشهد، تمكن لبنان الرسمي من التوصل في واشنطن إلى اتفاق إطار يهدف إلى رسم خارطة طريق لاستعادة الأراضي التي لا تزال تحت السيطرة الإسرائيلية. ويقوم الاتفاق على مبدأ الانسحاب الإسرائيلي التدريجي بالتوازي مع انتشار الجيش اللبناني وبسط سلطته على المناطق المعنية، في إطار ترتيبات أمنية تهدف إلى تثبيت الاستقرار ومنع تكرار المواجهات.
قد يختلف اللبنانيون على تفاصيل هذا الاتفاق أو آليات تنفيذه، لكن من الصعب تجاهل أنه يمثل، للمرة الأولى منذ انتهاء الحرب، مساراً سياسياً واضحاً لاستعادة الأراضي عبر مؤسسات الدولة اللبنانية، بعيداً من منطق الحروب المفتوحة التي أثبتت تكلفتها الباهظة.
ورغم ذلك، خرج الأمين العام لـ"حزب الله" نعيم قاسم، ليعتبر أن لبنان الرسمي قدم تنازلات في واشنطن، وأن الاتفاق يمس بالسيادة اللبنانية. وهو موقف يطرح أكثر من علامة استفهام، خصوصاً أنه جاء بالتزامن مع نشر الحزب لافتاتٍ تشكر إيران على امتداد طريق مطار رفيق الحريري الدولي، ثم إحراق لافتات "لبنان أولًا" التي تحمل العلم اللبناني، في مشهد أعاد إلى الواجهة الجدل حول مفهوم السيادة والانتماء الوطني.
فإذا كانت السيادة تعني دعم مؤسسات الدولة وتمكينها من استعادة أراضيها، فمن الصعب فهم كيف يصبح التفاوض باسم الدولة تنازلاً، بينما يُنظر إلى ربط القرار اللبناني بالمحاور الإقليمية على أنه دفاع عن السيادة؟ ويبدو أن مفهوم السيادة لدى الحزب يرتبط برفض أي مسارٍ تفاوضي تقوده الدولة اللبنانية إذا لم يكن منسجماً مع الحسابات الإيرانية في المنطقة.
اللافت أيضاً أن إيران لم تصدر موقفاً رسمياً رافضاً لاتفاق الإطار، لكنها تركت لحليفها اللبناني مهمة مهاجمة الاتفاق والتشكيك فيه، في حين تتقدم المفاوضات الأميركية– الإيرانية في ملفات إقليمية ودولية متعددة. وهذا يثير تساؤلات حيال ما إذا كانت الورقة اللبنانية لا تزال تُستخدم ضمن حسابات إقليمية أوسع تتجاوز المصلحة الوطنية اللبنانية؟
وفي الداخل، ترافقت هذه المواقف مع حملات سياسية وإعلامية وتحركات ميدانية أثارت المخاوف من عودة التوتر الأمني، في وقت لا تزال فيه بيروت تلملم آثار الحرب، ولا يزال آلاف الجنوبيين ينتظرون العودة الآمنة إلى قراهم وإعادة إعمار منازلهم واستعادة حياتهم الطبيعية.
كذلك برزت في الأيام الأخيرة تحذيرات من خطر الانزلاق إلى فتنة داخلية، كان أبرزها ما صدر عن رئيس مجلس النواب نبيه بري، في مؤشر على إدراك حجم المخاطر التي قد تنجم عن أي تصعيد سياسي أو أمني في هذه المرحلة الحساسة. فالفوضى الداخلية لن تخدم سوى إسرائيل، التي لطالما سعت إلى إضعاف لبنان من خلال الانقسامات والصراعات الداخلية.
اليوم، يقف لبنان أمام خيارين واضحين: إما منح الدولة فرصة لقيادة مسار استعادة الأرض وتعزيز مؤسساتها، وإما العودة إلى سياسة المحاور والمواجهات المفتوحة التي أثبتت التجارب أنها لا تنتج سوى مزيد من الدمار والانقسام.
إن استعادة الأراضي لا تكون بالشعارات ولا بالمزايدات السياسية، بل بدولة تمتلك قرارها، وجيش يبسط سلطته على أراضيها كاملة، ومؤسسات تعمل وفق المصلحة الوطنية العليا. أما إعادة إنتاج الانقسامات الداخلية وتوجيه الصراع نحو الداخل، فلن تكون سوى وصفة جديدة لإضعاف لبنان وإطالة أزماته، في وقت يحتاج فيه اللبنانيون إلى الاستقرار وإعادة بناء دولتهم أكثر من أي وقت مضى.
نبض