كي لا نكرر أخطاء الماضي في بديهيات بناء الدولة

منبر 29-06-2026 | 11:15

كي لا نكرر أخطاء الماضي في بديهيات بناء الدولة

أكتب هذه السطور وهناك حرب ضروس قادنا إليها حزب الله دفاعاً عن مشروعه الخارجي وعن إيران
كي لا نكرر أخطاء الماضي في بديهيات بناء الدولة
عناصر من "حزب الله" (حسام شبارو).
Smaller Bigger

د. هاني عانوتي - أستاذ جامعي وباحث في سياسات الشرق الأوسط 

 

 

أكتب هذه السطور وهناك حرب ضروس قادنا إليها حزب الله دفاعاً عن مشروعه الخارجي وعن إيران. حرب أدت إلى إعادة استباحة لبنان واحتلال جنوبه وتهجير سكانه. حرب لا علاقة للبنان فيها ولا الدولة اللبنانية ولا مؤسساتها، إنما مجموعة حزبية، سلاحها خارج عن القانون والشرعية، ادخلتنا في أتون وحده الخالق يعلم كيف سينتهي. 

من دون أدنى شك ولا لبس في المسؤولية، يتحمل حزب الله المسؤولية الكاملة عن هذه الحروب. ولكن من الجهة المقابلة تتحمل الدولة اللبنانية وأحزابها أقله منذ ما بعد عام 2005 (تاريخ انسحاب الجيش السوري من لبنان) المسؤولية في فشلهم في بناء الدولة القادرة على حمايتنا. منذ ذلك حين، والدولة وأركانها وأحزابها تتعامل مع حزب الله وتستفيد منه وتحميه ويحمي منظومتهم، والنتيجة كانت ضعف الدولة واهتراء المؤسسات وسيطرت حزب الله على قرار السلم والحرب. ولكن في يوم من الأيام، ستنتهي الحرب، ولكي لا نكرر أخطاء الماضي، علينا، ربما أن نحلم، ونستعد لبناء الدولة - التي ستكون الملاذ الآمن للجميع. 

الهدف من المقال هو كتابة بعض الأفكار التي قد تساعد صانعي القرار في المستقبل أن أرادوا حقاً بناء الدولة أن يستعينوا بها. علماً أن هذه الأفكار ليست خارجة عن السياق الطبيعي للدول، وليست تقدمية، وليست شيئاً جديد في السياسة أو العلوم السياسية، بل هي مبنية على تجاربنا السابقة الفاشلة في بناء الدولة من 1943 إلى اليوم. فلبنان اليوم على مفترق طرق، إما الدولة وإما الخراب. 

في خطاب القسم والبيان الوزاري وعد كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة اللبنانية بقيام الدولة عبر استخدام مصطلح "بناء الدولة" وصرحا مراراً أن مشروع بناء الدولة قد انطلق. لن أدخل بما أنجز من هذا المشروع لأنه على ما يبدو أن الكثير قد قيل والقليل - إن لم نقل لا شيء - قد أنجز؛ من مكافحة الفساد، إلى التحقيق بانفجار المرفأ، إلى ملف أموال المودعين، مروراً بأكذوبة حصر السلاح واستعادة قرار السلم والحرب وحتى خلو جنوب الليطاني من السلاح غيرالشرعي، زد على ذلك الإقصاء والكيدية السياسية من فريق سياسي على حساب الآخر. 

من هنا مشروع بناء الدولة العادلة يبدأ بالمحاسبة، فمنذ عام 2006 وحتى اليوم، هذه هي الحرب الثالثة التي يُدخلنا فيها حزب الله دعماً لمشروعه الخارجي ولإيران، من دون الرجوع إلى الدولة ومؤسساتها. وبغضّ النظر عن الحجج الواهية، يتحمّل حزب الله المسؤولية الكاملة عمّا خلّفته هذه الحروب من خراب ودمار وقتل وتهجير. كما تتحمّل الطبقة السياسية، على اختلاف أطرافها وتنوعها، مسؤولية مشتركة معه، لأنها استفادت وغطّت وسهّلت وسمحت للحزب ببناء قدراته العسكرية والأمنية على حساب الوطن ومؤسساته. إن مشروع بناء الدولة العادلة يبدأ في محاسبة كل من تسلم السلطة منذ عام 1990 أو 2005 إلى اليوم، على عكس ما حصل بعد الحرب الأهلية حينما أقر أول مجلس نواب منتخب قانون "عفا الله عما مضى" أعفى بموجبه من تسبب في خراب لبنان من المحاسبة. 

بناء الدولة يبدأ بحصرية السلاح بيد الدولة وحدها، وبسط سلطتها على كافة أراضيها، ومكافحة الفساد، وإنفاذ حكم القانون. لذلك، لا يمكن بناء دولة على شاكلة عام 1991 ودولة الطائف المبنية على الأمن بالتراضي، والمحسوبيات، وتشريع الفساد، وإنشاء مربعات أمنية رديفة وأقوى من الدولة. فبناء الدولة يبدأ باحترام رجل الأمن والقضاء والنظام العام، وحصر كافة السلاح بيد الدولة. لذلك بناء الدولة قناعة ومسؤولية تتعارض مع من يحكمنا اليوم. 

بناء الدولة يبدأ ببناء الهوية الوطنية الجامعة. فمنذ ولادة لبنان الكبير وهوية المجموعات الطائفية أقوى من الهوية الوطنية. بسبب هذا الفشل أْدخلنا في أتون الحروب والصراعات والفساد وتم وضع هوية الطائفة والقبيلة على حساب الوطن والمواطن. إن كنا جادّين في بناء الدولة الحاضنة للتنوع، فمدخلها الوحيد والأساسي هو هويتنا الوطنية اللبنانية الجامعة التي تبدأ في المدرسة ولا تنتهي عند حدود الوطن. 

بناء الدولة يبدأ بانتظام عمل الموسسات، ما أوصلنا إلى هذه الحال هو تغييب المؤسسات الدستورية من رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس الوزراء ووزير الخارجية ومجلس الوزراء عن المفاوضات السابقة بين إسرائيل وحزب الله وربطها حصراً بالمفاوض رئيس مجلس النواب. فمن أجل عدم تكرار المآسي، وانتظام عمل الموسسات، ومن أجل بناء الدولة واستعادة قرار الحرب والسلم هناك مؤسسات دستورية بحكم القانون والدستور مفوضة بالتفاوض وحدها عن لبنان. 

بناء الدولة هو احترام الدستور والمهل الدستورية. إن تمديد المجلس النيابي لنفسه عدة مرات في السنوات الماضية يُعدّ مخالفاً للدستور وللديمقراطية. زد على ذلك، انتخاب ثلاثة رؤساء جمهورية من أصل خمسة مند عام 1992، من خلال تعديلات دستورية يعد مخالفاً للدستور ولاسيما مبدأ بناء الدولة، ويطعن في شرعية الرؤساء المنتخبين وفق تعديلات دستورية. 
فبناء الدولة العصرية يحتم علينا احترام الدستور والمؤسسات، وإجراء تعديلات دستورية لمصلحة الوطن وليس لمصلحة الأفراد. وإن كان لا مفر من التمديد للمجلس النيابي للضرورات القصوى أو القوة القاهرة فيجب أن يكون مرتبطاً بحزمة من الإصلاحات الدستورية والانتخابية ومرتبط بمدة زمنية قصيرة ومحدودة. 

بناء الدولة يتطلب إقرار قانون انتخابي عادل يمثل صحة التمثيل ومفصل على قياس الوطن وليس الأفراد أو الأحزاب. أي بناء للدولة الحديثة يبدأ حتماً في قانون انتخابات كمدخل أساسي للإصلاحات الدستورية المطلوبة لتطوير الدولة والمؤسسات والممارسات والنظام العام والخروج من الدولة الطائفية إلى الدولة المدنية. 

بناء الدولة يتطلب فصل السلطات وأن لا تتدخل السلطة التشريعية ورئيسها بالسلطة التنفيذية لحد طلب رئيس السلطة التشريعية أي ثاني أهم موقع في الهرم الحكم في لبنان، وبخلاف الإجماع اللبناني وقرارت مجلس الوزراء من سفير دولة، ترى فيها الدولة اللبنانية أنها أضرت بها، أن لا يغادر وألا يحترم قرارات الدولة اللبنانية. 

بناء الدولة العادلة تبدأ بالقضاء على العصابات والمافيات والكرتيلات. بسبب غياب الدولة ورجالات الدولة، والفساد وغياب المحاسبة، أصبحت عصابات المولدات والصهاريج والڤاليه باركينغ أقوى من الدولة وشريكة مع بعض رموزها. لذلك علينا التخلص من هذه العصابات والكرتيلات والعمل مع الدولة في تأمين الخدمات من اجل الوطن والمواطن. 

مدخل بناء الدولة الأساسي يبدأ في أن يكون لبنان جزءاً من محيطه العربي والإقليمي والدولي. من هنا وفي خضم التباينات الداخلية عن هوية لبنان، بناء الدولة يبدأ بحياد لبنان وأن لا يكون مماًر، أو مقراً، أو ساحة للنزاعات العربية، أو الإقليمية. فمنذ عام 2006 بالحد الأدنى إلى اليوم أصبح لبنان معزولاً دولياً وعربياً ومرتعاً للإرهاب والتهريب والمخدرات ومسرحاً لتفاوض إيران مع أعدائها على حسابنا. أوصلتنا هذه العزلة إلى أن أصبح لبنان ومعه اللبنانيون منبوذون بصفات لا تشبههم ولا تمثلهم. إعادة بناء صورة وهوية لبنان واللبنانيين البعيدة عن العنف والفساد والتهريب والسلاح والفوضى تحتاج إلى عقود وقوانين ومسؤولين يرسمون وجه لبنان الجديد. 

لا يمكن للبنان الجديد أن ينبثق دون بناء الدولة المدنية الحديثة المتطورة الحاضنة للتنوع والقادرة على حماية جميع مواطنيها. الدولة العلمانية التي لا توزع المناصب على الطوائف، بل على من يستحقها. فرصتنا الوحيدة هي بتغيير الطبقة السياسية الحالية من خلال خريطة طريق واضحة تبدأ بقانون انتخابي جديد عصري مفصل على قياس الوطن وليس الأشخاص، ثم انتخابات نيابية بمرحلة انتقالية مدتها سنتان، هدف البرلمان هو مراجعة الدستور والمرحلة الممتدة من 1990 إلى اليوم، وإجراء تعديلات دستورية واسعة لتصحيح الخلل وإجراء تعديلات على قانون الانتخابات إن كان ذلك ضرورياً، ثم طرح الدستور على الاستفتاء الشعبي، ومن ثم إجراء انتخابات نيابية جديدة وانطلاق مشروع بناء الدولة. 

إنها فرصتنا الوحيدة والأخيرة لبناء هذا الكيان لان البديل هو الفوضى حتماً. 


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

فن ومشاهير 6/27/2026 9:21:00 AM
محطات من حياتها الشخصية السابقة، وعلى رأسها خطبتها الشهيرة من المطرب محمد عطية عام 2020.
فن ومشاهير 6/28/2026 1:12:00 PM
إقامة ملكية تجمع هاري وميغان ببريطانيا بعد سنوات من الخلاف.
رياضة 6/27/2026 8:05:00 AM
منتخب الرأس الأخضر يصنع المفاجأة في كأس العالم 2026 ويتأهل إلى دور الـ32 بعد إنهائه الدور الأول بثلاثة تعادلات مع إسبانيا وأوروغواي والسعودية... من هو هذا المنتخب؟
رياضة 6/28/2026 1:34:00 AM
فرضت كولومبيا التعادل على البرتغال من دون أهداف وتقدمتها في صدارة المجموعة 11 في كأس العالم 2026 ضمن الجولة الثالثة الأخيرة من دور المجموعات