بين مطرقة "الحسم الميداني" وسندان "باكستان": نهاية أسطورة الأذرع
بقلم: نانسي لقيس/ كاتبة وباحثة في الشؤون السياسية
من يقرأ المشهد اللبناني بعين العاطفة أو الشعارات الجاهزة، يفوته إدراك جوهر التحول الاستراتيجي الذي تعيشه المنطقة. نحن لسنا أمام "جولة قتالية" عابرة، بل أمام عملية جراحية كبرى لإعادة رسم خرائط النفوذ، يقودها مثلث "الواقعية السياسية" المتمثل في رؤية دونالد ترامب الاستراتيجية، وإصرار بنيامين نتنياهو على الحسم، وبراغماتية طهران المنهكة.
"المفاوضات" وإعادة ترتيب الأولويات
على طاولات التفاوض الدولية في باكستان، تدور رحى لعبة إعادة ترويض المسارات الإقليمية. الاستراتيجية الأميركية تعتمد على "الصفقات الحاسمة" التي تضع النظام الإيراني أمام واقع جديد: إما الاستمرار في نزيف اقتصادي وعسكري لا ينتهي، أو القبول بمسار ديبلوماسي يفرض التخلّي الضمنيّ عن سياسة الأذرع والميليشيات.
إن جلوس طهران على طاولة المفاوضات في اللحظة التي يواجه فيها حلفاؤها في لبنان ضغوطاً غير مسبوقة هو الإقرار الفعلي بسقوط أسطورة "وحدة الساحات". الواقع يفرض نفسه اليوم، حيث تبحث القوى الكبرى عن استقرارها، تاركة الأطراف التي ارتهنت للخارج تواجه مصيرها تحت وطأة اختلال موازين القوى.
استراتيجية الحسم: إنهاء التهديد من جذوره
في الميدان، يمضي بنيامين نتنياهو في تنفيذ استراتيجية حازمة لا تكتفي بتفكيك البنية العسكرية لحزب الله، بل تسعى لتأمين الأرض وضمان عدم عودة أيّ تهديد مستقبلي لأمن المنطقة. الغارات المركّزة، وتدمير خطوط الإمداد، وعزل الجغرافيا العسكرية، هي خطوات عملية تؤكد أن زمن "أنصاف الحلول" قد انتهى.
ترى إسرائيل اليوم، وبتناغم واضح مع التوجهات الأميركية الجديدة، أنها تنفذ مهمّة تعتبرها ضرورية لأمنها، تقوم على تجريد الميليشيا من قدرتها على التعطيل، ووضع حدّ لما تصفه بـ"الدويلة" التي صادرت قرار الدولة اللبنانية وحوّلتها إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
ورغم قوة الحسم الميداني، لا يمكن تجاهل الكلفة الإنسانية الكبيرة التي يتحمّلها المدنيون اللبنانيون في خضم المواجهة، وهي حقيقة لا يمكن إنكارها ضمن أيّ حسابات استراتيجية.
لبنان: الطريق نحو السيادة الوطنية
لقد دفع لبنان وشعبه أثماناً باهظة نتيجة التبعية لمشاريع عابرة للحدود. واليوم، تضع الحرب حزب الله أمام حقيقته المرة، حيث يواجه آلة عسكرية متفوّقة تقنياً وميدانياً، بينما ينصرف "الحليف الإقليمي" لتأمين مصالحه عبر القنوات الدبلوماسية.
هذا الانكسار الميداني يفتح الباب أمام استعادة السيادة اللبنانية المخطوفة. فلا يمكن قيام دولة حقيقية بوجود سلاح خارج إطار الشرعية يقرّر مصير اللبنانيين بناءً على أجندات خارجية. إن الحسم الذي نراه اليوم هو الطريق الإجبارية لإنهاء حقبة "الاستقواء" وفرض منطق الدولة على الجميع.
ورغم أن بعض المراقبين يرون أن هذا المسار قد يطيل أمد المواجهة أو يفتح الباب أمام جولات أكثر تعقيداً، فإن الوقائع الميدانية والسياسية تشير إلى أن المنطقة دخلت فعلياً مرحلة إعادة رسم موازين القوى.
إن التاريخ ينحاز دوماً لمن يملك الرؤية والقوة. ونحن اليوم نشهد نهاية عصر الميليشيات لصالح منطق الدول المستقرة والمصالح الكبرى. وبينما ترسم الديبلوماسية في باكستان قواعد الاشتباك السياسي الجديد، تنهي القوة العسكرية في الميدان أسطورة "الأذرع" التي تحوّلت إلى عبء على لبنان وسيادته.
المعادلة أصبحت واضحة: مسار سياسيّ دوليّ يحيّد التدخلات، وحسم ميداني ينهي التهديد، ولبنان أمام فرصة تاريخية ليستعيد هويته كدولة سيدة ومستقلة.
نبض