"بمناسبة اليوم العالمي للتوحد (2 نيسان)" شربل.. ترتيلةُ صمتٍ في هيكل الحب

منبر 31-03-2026 | 09:22

"بمناسبة اليوم العالمي للتوحد (2 نيسان)" شربل.. ترتيلةُ صمتٍ في هيكل الحب

​أكتب اليوم، وفي قلبي فيضٌ من شجونٍ تعجز الكلمات عن احتوائها، وفي روحي صدى سنواتٍ لم تكن مجرّد زمنٍ عابر، بل رحلة طويلة من الصبر والصلاة والارتقاء. أنا رانيا، أمّ هذا الطفل الذي لم يأتِ إلى حياتنا صدفة، بل كنعمةٍ غيّرت معنى الأيام في بيتنا.
"بمناسبة اليوم العالمي للتوحد (2 نيسان)" شربل.. ترتيلةُ صمتٍ في هيكل الحب
تعبيرية
Smaller Bigger

إلياس عيسى إلياس
(على لسان رانيا، أم شربل)

 

 

 

​أكتب اليوم، وفي قلبي فيضٌ من شجونٍ تعجز الكلمات عن احتوائها، وفي روحي صدى سنواتٍ لم تكن مجرّد زمنٍ عابر، بل رحلة طويلة من الصبر والصلاة والارتقاء. أنا رانيا، أمّ هذا الطفل الذي لم يأتِ إلى حياتنا صدفة، بل كنعمةٍ غيّرت معنى الأيام في بيتنا.

​يبدأ صباحنا في قريتنا الهادئة "أرده" قبل أن تستيقظ الطبيعة؛ ليس بزوغاً عادياً للضوء، بل لحظةً حميمة نتحلّق فيها حول شربل، والده وأنا وشقيقته الكبرى كلارا، نغمره بالقبلات، ونجدّد عهدنا الصامت معه: نحن هنا من أجلك… وستبقى محور هذا الكون الصغير.

​في عام 2026، نقترب من الخامس عشر من أيار لنضيء الشمعة الحادية عشرة. أحد عشر عاماً مرّت منذ ذلك الربيع من عام 2015، كبر فيها شربل… وكبرنا معه. شربل لا يصمت عجزاً؛ صمته ليس فراغاً، بل امتلاء. هو يعبّر بطريقته: بنظرةٍ تستأذن، بابتسامةٍ تطلب الود، وبيدين تعملان بشغفٍ كأنهما لغته الخاصة. لقد علّمنا أن الحب ليس ما نقوله، بل ما نفعله.

​في "المركز الطبي للجامعة الأميركية"، بدأ الاختبار. هناك نطق العلم بحقيقةٍ لم نكن مستعدين لها. لحظة ثقيلة… لكنها كانت أيضاً بداية الفهم. وجدنا في البروفسور روز ماري بستاني أكثر من طبيبة؛ وجدنا إنسانة رافقتنا بصدق، وساعدتنا لا على التشخيص فقط، بل على الاستمرار. ومن خلال دعمها، بدأ شربل رحلته مع فريق متخصص في تحليل السلوك، داخل منزلنا، خطوةً خطوة.

​لكن الرحلة لم تتوقف عند التشخيص. كان لا بد من مكانٍ يحتضن شربل كما هو. هكذا وصلنا إلى "مركز الشمال للتوحد"، حيث وجدنا ما كنا نبحث عنه: إنسانية قبل أي شيء. تحت إدارة السيدة سابين سعد، لم يكن شربل "حالة"، بل طفلًا له كرامة وصوت، حتى وإن لم يتكلم. هناك، تتحول الصفوف إلى مساحات أمل، والمعلمات إلى جسورٍ تبني لغةً بديلة، بصبرٍ يشبه الصلاة. وحتى الطريق إلى المركز لم يكن تفصيلًا عابرًا؛ فمن سائق الحافلة إلى الفريق المرافق، كنا نشعر أن شربل محاط بأيدٍ أمينة، نودّعه كل صباح بقلبٍ مطمئن.

​أما في البيت… فالحكاية مختلفة. هناك تبدأ طقوس أخرى، نسميها "مظاهرة الوفاء الصامتة". يخرج شربل مع والده في نزهة يومية، تمتد لساعتين، وأحيانًا ترافقهما كلارا. هي ليست مجرد نزهة، بل علاقة عميقة، حيث يصبح الأب رفيقًا كاملًا لابنه، لا يذهب إلى مكان من دونه. في الطبيعة، يظهر شربل كما هو: طفلٌ نقي، يقترب من الحيوانات بلا خوف، يلمسها كأنها تعرفه، وكأن بينه وبينها لغة خفية. كان الناس يرونه… ويبتسمون، كأنهم يلمسون فيه بركة صامتة.

​وفي الإيمان، وجدنا معنى آخر. أذكر رحلتنا إلى عنايا، في يومٍ عاصفٍ لم يثنِ والده عن الوصول. كان يبحث عن طمأنينة، عن جواب، عن حضرة. ومنذ ذلك اليوم، أشعر أن في شربل سكينةً لا تُفسَّر… كأن النعمة لم تأتِ لتغيّره، بل لتغيّرنا نحن. العائلة كانت السياج الأقوى. في قربانته الأولى، كان حضور الجدة صلاةً بحد ذاته، وكانت عمته تنسى وقارها لتلعب معه، وكان "جاك" يترك رسميته ليشاركه فرحه. في بيت خالته، الحب قانون يومي: "روي" يلاعبه، "أنجيلينا" تراه أخًا، و"أنطوني" ينتظر لقاءه كل صباح.

​لكن في قلب هذا العالم، تقف كلارا. ليست مجرد أخت كبرى؛ هي المترجمة الأولى لروحه، الحارسة لابتسامته. تفهمه من دون كلمات، تمسك بيده بثقة، وتمنحنا نحن الأهل راحةً عميقة: أن شربل لن يكون وحده. علاقتهما ليست عادية… إنها درس في الإيثار. في الكنيسة، خلال قربانته الأولى، وقف شربل بهدوءٍ مهيب. وفي لحظةٍ صامتة، رفض أن يتناول القربان إلا من يد "أبونا سايد"، وكأن قلبه اختار من يعرفه دون شرح. شربل لا يتكلم… لكنه يعرف، وهذا يكفي.

​هو يحب الحياة بطريقته: الدراجة، السباحة، كرة السلة. ويتواصل مع كلارا بلغةٍ لا تحتاج إلى ترجمة. لكن، وسط كل هذا، هناك سؤال لا يغيب: ماذا عن الغد؟ نخاف… نعم. نخاف عليه حين يكبر، حين تتغير مراحل الحياة، حين يحتاج إلى من يفهمه أكثر. هذا الخوف لا يُضعفنا، بل يجعلنا أكثر تمسكًا به، وأكثر حرصًا على أن يبقى محاطًا بالحب. شربل لم يعلّمنا كيف نواجه التوحد فقط، بل علّمنا كيف نعيد تعريف الإنسان.

​يا حبيبي، سنظّل معك… قلوبًا تحميك، وخطواتٍ ترافقك. ومعك كلارا، نور دربك، ورفيقتك التي لن تترك يدك. ستبقى ابتسامتك الحقيقة الأصدق في عالمٍ يتغير بسرعة. وسنبقى نتعلم منك… كيف نصغي إلى الصمت، وكيف نحب دون شروط.

​شربل… ليس صمتًا نعيشه، بل حياةٌ نتعلّم أن نصغي إليها.

العلامات الدالة

مواضيع ذات صلة

الأكثر قراءة

لبنان 3/30/2026 12:30:00 PM
سيشمل التعديل مصلحة النقل المشترك بنفس النسبة المطبقة على النقل العادي لتوحيد السياسات...
دوليات 3/29/2026 11:11:00 PM
قراصنة ينشرون صورة لسارة نتنياهو مع إبستين وسط غموض حول صحتها
لبنان 3/30/2026 1:40:00 PM
مقتل الجندي جاء نتيجة استهداف مباشر بصواريخ من نوع "ألماس"...
لبنان 3/30/2026 4:43:00 PM
تمكن جهاز الأمن العام من توقيف خمسة أفراد من المجموعة التي عملت مع الشخص المذكور، وأحالتهم على القضاء اللبناني الذي يستجوبهم...