في ذكرى إضراب الجولان

في ذكرى إضراب الجولان
دروز الجولان. (أ ف ب)
Smaller Bigger

الدكتور ثائر أبو صالح*

في كل عام، يحتفل العالم في 14 شباط/فبراير بعيد الحب، لكن أهل الجولان يحيون هذا اليوم ليستذكروا الإضراب الذي أعلنوه في 14 شباط 1982 احتجاجاً على قرار الكنيست الإسرائيلي، الذي صدر في 14 كانون الأول/ديسمبر 1981، والقاضي بتطبيق القانون والإدارة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان السورية المحتلة. 

جاء هذا الاضراب خطوة احتجاجية من قبل السكان السوريين في الجولان على قرار الضم من جهة، ورفضاً لمحاولة فرض الجنسية الإسرائيلية عليهم، وتمسكهم بالجنسية السورية من جهة أخرى. 

تأتي هذه السنة الذكرى الرابعة والأربعين في ظل أجواء مشحونة بالتوتر والانقسامات غير المسبوقة في سوريا، نتيجة للأحداث المأساوية التي شهدتها مناطق مختلفة فيها، وخاصة محافظة السويداء والساحل، مخلفة آلاف الشهداء والجرحى والمخطوفين والمهجرين، ومحدثة شرخاً سياسياً واجتماعياً غير مسبوق في النسيج الاجتماعي السوري، ما فتح المجال لتدخل قوى إقليمية مختلفة وعلى رأسهم إسرائيل، المستفيد الأول من هذه الأحداث، والتي تسعى لإضعاف سوريا أو حتى تقسيمها إن استطاعت.

من أجل استحضار هذه المناسبة، والإستفادة من تجارب الماضي في حاضرنا المأسوي، لا بدّ من العودة إلى أحداث بداية الثمانينيات من القرن الماضي. استغلت إسرائيل الفراغ الاستراتيجي الذي حصل نتيجة خروج مصر من معادلة الصراع العربي- الإسرائيلي، بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1978 وقامت بقصف المفاعل النووي العراقي في عملية عرفت باسم "أوبرا"، ثم ضمت الجولان في أواخر 1981، وفي حزيران/يونيو 1982 غزت لبنان للقضاء على الوجود العسكري الفلسطيني على ارضه.

هذه العمليات عكست الطبيعة العدوانية والتوسعية لإسرائيل من جهة، وشكلت تعويضاً للقاعدة الشعبية لليمين الإسرائيلي، الذي احتج على الانسحاب من سيناء من جهة أخرى. 

في إطار مسعاها لضم الجولان، حاولت إسرائيل في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، أي في زمن الحكم العسكري، تمرير مشروع تجنيس أهل الجولان باستهداف الحلقات الأضعف في المجتمع مثل الموظفين والمعلمين والضغط عليهم من خلال ربط طلب الجنسية باستمرار العمل. وعندما فُضح الأمر، تداعى أهل الجولان إلى اجتماع في خلوة مجدل شمس، وأصدروا في 25 آذار/مارس 1981 الوثيقة الوطنية، التي أكدوا من خلالها أن الجولان عربي سوري، والجنسية السورية صفة ملازمة لسكان الجولان، تنتقل تلقائياً من الإباء للأبناء، ورفضوا استبدال الجنسية السورية بالإسرائيلية، وأعلنوا الحرم الديني والاجتماعي على كل من تسول له نفسه القبول بالجنسية الإسرائيلية، ما حدا بالذين تورطوا، عن غير معرفة أو دراية لما ترمي له دولة الاحتلال، بالتراجع عن طلب الجنسية الإسرائيلية.

 

دروز خلال مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية في الجولان (ا ف ب)
دروز خلال مواجهات مع الشرطة الإسرائيلية في الجولان (ا ف ب)

 

أرادت إسرائيل من خلال هذه الخطوة أن تقول للرأي العام إن أهل الجولان يطلبون الجنسية الإسرائيلية، ونزولاً عند رغبتهم ستقوم إسرائيل بضم الجولان، أي تحويل أهل الجولان الى جسر لتمرير مخططاتها التوسعية. وعندما فشلت في هذا المسعى، ظن أصحاب القرار في دولة الاحتلال أن موقف أهل الجولان نابع من خوفهم من سلطة دمشق، وعندما يتم ضم الجولان فإنهم سيأخذون الجنسية الإسرائيلية وتمر الأمور بسلاسة، لكنهم تفاجأوا بردة فعل أهل الجولان إذ رفضوا قرار الضم وأعلنوا الإضراب المفتوح، ورفضوا القبول بالجنسية الإسرائيلية.   

جسد الإضراب ذروة الشعور بالهوية الوطنية السورية عند سكان الجولان، فقد تمسكوا بانتمائهم السوري وتكاتفوا جميعاً على مختلف شرائحهم، فحوصرت القرى ومُنع الدخول إليها أو الخروج منها إلا لحالات طارئة، وتعاونوا على تأمين الحليب للأطفال من مواشيهم، واقتسموا ما يملكونه من مواد غذائية في بيوتهم، ورفضوا الحليب الذي كان يعرضه الاحتلال عليهم. 

في أول نيسان/أبريل 1982، أًعلن منع التجول في القرى، ودخل الجيش الإسرائيلي على البيوت بيتاً بيتاً، سحبوا من السكان الهوية العسكرية وقدموا الهوية المدنية، فواجههم السكان بالرفض، ورموا الهويات في مداخل البيوت. بعد فك الحصار جمع أهل الجولان الهويات واحرقوها في الساحات العامة.

حصل العديد من المواجهات خلال الإضراب الذي استمر حتى 19 تموز/يوليو 1982، حيث حوّل الاحتلال المدارس إلى مراكز اعتقال، وسقط العديد من الجرحى، وتم اعتقال الزعماء الوطنين لأهل الجولان. حين اقتنع الاحتلال أن من غير المجدي فرض إرادته على السكان بدأ بالتفاوض مع القيادات، حيث تم الاتفاق على تعليق الإضراب مقابل عدم فرض الجنسية الإسرائيلية على أهل الجولان بالقوة، وعدم مصادرة الأراضي ومصادر المياه، وعدم فرض التجنيد الإلزامي على شبابهم، لأن هناك قانون يلزم الدروز في إسرائيل بالخدمة العسكرية.

شكل نضال أهل الجولان ضد الاحتلال الإسرائيلي امتداداً لنضال أهلهم ضد الاستعمارين الفرنسي والتركي. فقد أُحرقت مجدل شمس مرتين: مرة في زمن الاحتلال التركي، ومرة أخرى في زمن الاحتلال الفرنسي، وسقط من أهلها عشرات الشهداء، إذ لم يبخلوا يوماً في تقديم كل غالٍ ونفيس دفاعاً عن الأرض والعرض والكرامة، إيماناً منهم بأن حقوق الشعوب تؤخذ ولا تُعطى. 

تمسك سكان الجولان، على مدار 58 سنة ونيف من الاحتلال، بانتمائهم السوري، وما زالوا، فرغم كل المغريات، ورغم الأحداث الدامية في سوريا، لم تتجاوز نسبة المجنسين 23% حتى نهاية سنة 2024 بما فيهم من انتقلوا للسكن بقرى الجولان من الجليل والكرمل، ومن الزيجات المختلطة، ومن الذين ورثوها عن أهلهم. إلا أن الإحباط الكبير الذي أصاب اهل الجولان بسبب أحداث السويداء وما يتردد عن تخلي النظام الجديد في سوريا عن استعادة الجولان، رفع هذه النسبة خلال سنة واحدة الى 32%. فمنذ أن وصل النظام الجديد إلى سدة الحكم في سوريا، لم يأتِ ولو مرة واحدة على ذكر أنّ هناك سكان سوريين تحت الاحتلال. 

في الماضي، مر على أهل الجولان الكثير من المآسي من حرق للقرى والتهجير والقتل، ورغم ذلك بقوا متمسكين بإرثهم الوطني وبأصالة انتمائهم، رغم احساسهم بالغبن من بعض الشرائح التي يتشاركون معها الوطن. على سبيل المثال لا الحصر، إبان الثورة السورية الكبرى، هاجمت عصابات من عرب السلوط  قافلة النساء والأطفال والشيوخ التي خرجت من مجدل شمس بعدما أحرقها الفرنسيون، ونهبت قراهم من  قبل بعض ضعفاء النفوس، لكنهم عادوا إلى قراهم وشيدوها من جديد وتعالوا على الجراح وحافظوا على حسن الجوار، فالحياة تستمر رغم ما فيها من ألم.  

كذلك في لبنان، وتحديداً في معارك تحرير الشحار الغربي التي تصادف ذكراها أيضا في 14 شباط. بالرغم من الألم وسقوط مئات الشهداء، والقتل والتهجير، لكن بفضل وجود قيادات وطنية ومسؤولة، استطاعوا في نهاية تلك الحقبة إنجاز مصالحة تاريخيه أعادت للجبل ألقه، حيث شكلت معركة تحرير الشحار نقطة تحول نحو صون وحدة لبنان بإجهاض مشروع التقسيم.

اليوم، في ذكرى إضراب أهل الجولان وتحرير الشحار الغربي، نستنبط من هاتين المناسبتين قيمة المسؤولية الوطنية والتعالي على الجراح في وقت المحن، ونتطلع إلى السويداء المكلومة التي تعيش ألم ما مر عليها من مآس وويلات وفقد وتهجير وخيبة أمل من الشركاء في الوطن، ونتمنى أن نرى نوراً في آخر النفق بتبني الحلول التي تُعيد لجبل العرب ألقه، فيعود كما نعرفه جبل سلطان باشا الأطرش، جبل الكرامة والعزة والأنفة، وذلك بعدما تدرك الحكومة السورية واجبها تجاه السويداء وتتحمل مسؤولية ما فعل متطرفوها ومحاسبتهم. عندها، يصبح التعالي على الجراح والمسؤولية والمصالحة الوطنية موقف يحسب لأشراف السويداء من النخب التي ستحافظ حتماً على حقوق أهل الشهداء وأبنائهم، وحقوق المهجرين وعودتهم إلى قراهم  وتعويضهم، وستقطع الطريق على مشاريع التقسيم وأوهام الانفصال.

*مؤرخ من الجولان السوري المحتل

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 2/13/2026 4:28:00 PM
وزير الاقتصاد: "في مواسم الصيام، تتجدّد معاني التضامن والتكافل التي يقوم عليها مجتمعنا"
صحة وعلوم 2/12/2026 5:15:00 PM
يحفز إنتاج الكولاجين في البشرة (المادة المسؤولة عن شيخوخة البشرة)، إذ يستمد فعاليته من كونه يصل إلى الطبقة الثانية من الجلد حيث يُنتج الكولاجين.
دوليات 2/12/2026 11:14:00 PM
امرأة خمسينية تعترف بوضع رضيعين في مجمّد منزلها شرقي فرنسا… والسلطات تفتح تحقيقاً بتهمة قتل قاصرين.
سياسة 2/13/2026 7:00:00 AM
صباح الخير من "النهار"... إليكم أبرز الأخبار والتحليلات لليوم الجمعة 13 شباط / فبراير 2026.