حين يُسلب قرار الدولة… تسقط أوراق القوة
فريد فخر الدين
اخترت أن أرد على حليمة قعقور ورياض الأسعد تحديداً لأنني أضعهما خارج سرب المنظومة السياسية التقليدية التي أوصلت لبنان، بالفساد وسوء الإدارة وارتهان القرار، إلى ما وصل إليه.
أعتبرهما من الأصوات التي تريد، كما نريد، لبنان سيداً، مستقراً ومزدهراً؛ لبنان الدولة لا الدويلة، والمؤسسات لا المحاور. ولهذا استوقفني بعض ما سمعته منهما حول المفاوضات، واتفاق الإطار، ومسؤولية رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوفد المفاوض، وحول "أوراق القوة" و"المقاومة الأهلية".
الخلاف ليس على حب الجنوب أو مأساة أهله أو حجم الدمار الإسرائيلي.
الخلاف هو: من أين تبدأ رواية ما حصل؟
هل تبدأ من التنازلات على طاولة المفاوضات؟ أم من اللحظة التي فقدت فيها الدولة حقها الحصري في تقرير الحرب والسلم؟
من التحرير إلى ازدواجية القرار
بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2000 واعتماد الخط الأزرق، كان يفترض أن تبدأ مرحلة الدولة: يعود الجنوب إلى كنفها، وتصبح المنطقة أرضاً لبنانية طبيعية، ويصبح السلاح وقرار الحرب والسلم حصراً بيد المؤسسات الشرعية.
لكن ذلك لم يحصل.
ساهم الوجود والنفوذ السوريان في استمرار معادلة "المقاومة" ومنع الانتقال الكامل إلى حصرية القرار بيد الدولة. واستمر الخلل السيادي ضمن بيئة سياسية انتهت باغتيال الرئيس رفيق الحريري عام 2005 وانتفاضة الاستقلال وانسحاب الجيش السوري.
وفي تموز 2006، أقدم حزب الله على عملية عبر الحدود وأسر جنديين إسرائيليين من دون قرار من الحكومة، فانزلق لبنان إلى حرب مدمرة.
وانتهت الحرب بالقرار 1701 الذي كان يفترض أن يؤسس للاستقرار وبسط سلطة الدولة.
لكن حزب الله بقي محتفظاً بسلاحه وبنيته العسكرية وقراره المستقل، ولم تتحقق الغاية السيادية الكاملة التي كان يفترض أن يقود إليها القرار.
ثم جاءت أحداث 7 أيار 2008 لتكشف المشكلة في الداخل نفسه. فعندما اتخذت الحكومة قرارات تتعلق بشبكة اتصالات حزب الله وبأمن المطار، رد الحزب وحلفاؤه باستخدام السلاح في الداخل وسيطروا على أجزاء من بيروت.
وهنا أصبحت المسألة أكبر من "سلاح مقاومة": أصبحت سؤالاً عن قدرة الدولة نفسها على ممارسة سلطتها عندما يصطدم قرارها بقوة السلاح.
ومع ذلك، عاش لبنان سنوات طويلة من الهدوء النسبي وصولاً إلى ترسيم الحدود البحرية عام 2022. وهذا دليل على أن الحرب الدائمة لم تكن قدراً محتوماً.
من إسناد غزة إلى إسناد إيران
بعد 7 تشرين الأول 2023، قرر حزب الله فتح جبهة الجنوب تحت عنوان "إسناد غزة".
لم تتخذ الدولة قرار الحرب، ولم يحدد مجلس الوزراء هدفاً لبنانياً لها.
وكانت النتيجة حرباً مدمرة، وتهجيراً ودماراً واسعاً، وخسائر هائلة داخل الحزب وصولاً إلى اغتيال قياداته وعلى رأسهم حسن نصرالله.
وانتهت الحرب في 27 تشرين الثاني 2024 بترتيبات لوقف الأعمال العدائية قبلت بها الدولة والحزب عملياً، وأدار نبيه بري، الحليف الأول لحزب الله، الجانب التفاوضي بالتنسيق مع حكومة نجيب ميقاتي.
جاء الاتفاق في ظل ميزان قوى بالغ السوء، وبظروف أقرب إلى الإذعان منها إلى شروط طرف خرج منتصراً.
فإذا كان الاتفاق إذعاناً، فمن أوصل لبنان إلى لحظة الإذعان؟
ثم جاءت الكارثة الأكبر في آذار 2026 عندما دخل حزب الله الحرب مجدداً، هذه المرة في سياق الحرب الإيرانية مع إسرائيل والولايات المتحدة وتحت عنوان إسناد إيران والانتقام لمقتل خامنئي.
وهنا يصعب قبول توصيف ما جرى بأنه "مقاومة لبنانية".
مقاومة لأي هدف لبناني؟ ومن فوّض الحزب باتخاذ القرار؟
هناك فرق بين مقاومة لتحرير أرض لبنانية وبين تنظيم يدخل في حروب غزة وطهران ضمن حسابات محور إقليمي فيما يدفع اللبنانيون الثمن.
لا توجد مقاومة لبنانية حقيقية إذا لم يكن قرارها لبنانياً، وهدفها لبنانياً، ومرجعيتها الدولة اللبنانية.
لماذا فاوض لبنان؟
بعد حرب آذار وجد لبنان نفسه أمام كارثة: احتلال أجزاء واسعة من الجنوب، دمار وتهجير، ضربات مدمرة على الضاحية، اقتصاد مهدد، وسيادة منتهكة في الجو والبر والبحر.
فذهبت الدولة إلى المفاوضات.
ليس حباً بالتنازل، بل لوقف الحرب والقتل والتدمير والتهجير، ومنع توسع الاحتلال، وحماية ما تبقى من الاقتصاد، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
لبنان دخل المفاوضات وظهره إلى الحائط.
إلى حليمة: هل نملك ترف الوقت؟
تنتقد حليمة قعقور التخلي أو التعليق المحتمل لبعض "أوراق القوة" القانونية والدبلوماسية: الملاحقات الدولية، حقوق الضحايا، التعويضات والتحرك الدولي.
هذه الحقوق مهمة.
لكن هناك فرقاً بين حق قانوني وبين أداة قادرة على وقف الحرب الآن.
هل يملك لبنان ترف الوقت؟
شهدنا إدانات واستنكارات وملاحقات وانتقادات لإسرائيل ونتنياهو. ولكن هل أوقفت وحدها الطائرات والقصف والاحتلال؟
القانون ضروري، لكن لا يجوز تحويله إلى بديل عن حماية الحياة.
لا يمكن أن نقول لأهل الجنوب والمهجرين: انتظروا سنوات حتى تتحرك المحاكم فيما قد يكون البلد قد خسر ما تبقى من قراه واقتصاده.
لذلك السؤال ليس فقط: لماذا تنازلتم؟
بل: ماذا أخذ لبنان مقابل التنازل؟ وهل كان ممكناً الحصول على أكثر؟
وما هي أوراق القوة فعلاً؟
إذا كانت ورقة القوة عسكرية، فالنتيجة أمامنا.
إذا كانت الردع، فسماؤنا مستباحة.
إذا كانت الأرض، فجزء منها احتل.
وإذا كانت قدرة الدولة على الالتزام، فكيف يستطيع المفاوض إعطاء تعهد باسم لبنان فيما قوة مسلحة تستطيع رفض تنفيذه أو التلويح بالسلم الأهلي لمنع تطبيقه؟
ورقة القوة الحقيقية ليست صاروخاً خارج الدولة.
إنها دولة تقول نعم فتلتزم، وتقول لا فيحترم قرارها، وتضبط حدودها وتنفذ اتفاقاتها.
إلى رياض: أين تبدأ مأساة الجنوب؟
أهل الجنوب ليسوا وقوداً
رياض الأسعد محق عندما يتحدث عن إهمال الدولة للجنوب، ومعاناة أهله، والدمار الإسرائيلي، ومحو ذاكرة القرى وتاريخها.
لكن السرد لا يمكن أن يبدأ من النتيجة ويتجاوز السبب.
نعم، إسرائيل دمرت. لكن هل يعالج إهمال الدولة بأن يصبح قرار الحرب بيد حزب؟
وهل نحمي الجنوب عندما نحوله إلى ساحة لإسناد غزة ثم إيران؟
أهل الجنوب ليسوا وقوداً.
ولا يجوز أن يصبح قدرهم دفع أثمان قرارات لم تتخذها مؤسسات دولتهم.
أما وصف ذلك بـ"المقاومة الأهلية"، فلا يجب أن يحجب انتقال المقاومة من وسيلة لتحرير أرض لبنانية إلى جزء من منظومة إقليمية تتقدم فيها حسابات إيران ومحورها على المصلحة اللبنانية.
واتفاق القاهرة؟
تشبيه اتفاق الإطار باتفاق القاهرة يحمل مفارقة أساسية.
اتفاق القاهرة كرس وجود قوة مسلحة خارج سلطة الدولة واستخدام الأراضي اللبنانية في الصراع مع إسرائيل.
فالدرس الحقيقي منه ليس أن على الدولة ألا تفاوض، بل أن لبنان يدفع الثمن كلما سمح لجهة مسلحة بأن تمتلك قراراً عسكرياً مستقلاً عنها.
الفلسطيني بالأمس، وحزب الله لاحقاً.
المشكلة واحدة: ازدواجية القرار والسيادة.
وإذا كان المسار الحالي يسعى إلى إعادة قرار الحرب والسلم وحصرية السلاح إلى الدولة، فهو من هذه الزاوية يسير في الاتجاه المعاكس لاتفاق القاهرة.
لا نحاكم من يطفئ الحريق من حقنا أن ننتقد رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة والوفد المفاوض. لا أحد فوق النقد. لكن لا نقلب المسؤوليات.
رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة لم يفتحا جبهة غزة، ولم يدخلا لبنان في حرب إيران.
هما يتعاملان مع نتائج قرارات اتخذها غيرهما ويحاولان وقف القتل والدمار والتهجير واستعادة ما يمكن من الدولة.
فلا نحاكم من يحاول إطفاء الحريق وننسى من أشعله.
يكفي مكابرة
الواقعية ليست خيانة.
والتفاوض ليس استسلاماً.
والتسوية ليست دائماً عدالة كاملة.
أحياناً تكون التسوية الفاصل بين بلد جريح وبلد لا يبقى منه شيء.
أنا لا أكتب تحت ضغط شارع انتخابي، ولا أحتاج إلى مراعاة بيئة سياسية أو مذهبية حفاظاً على رصيد انتخابي.
لا أزايد على أهل الجنوب، ولا أبرئ إسرائيل من مسؤولية القتل والاحتلال والدمار، ولا أبرئ الدولة من أخطائها.
لكنني أرفض أن نكتب التاريخ من منتصف الصفحة.
أرفض أن نبدأ من المفاوضات وننسى لماذا اضطررنا إليها.
وأرفض أن نسمي كل حرب يقررها حزب خارج الدولة "مقاومة لبنانية".
إذا أردنا لبناناً سيداً، مستقراً ومزدهراً:
لا حزب يقرر الحرب.
لا محور يقرر مصير لبنان.
لا سلاح فوق سلاح الدولة.
ولا ولاء يتقدم على المصلحة اللبنانية.
وعندها فقط يصبح لدينا وطن قادر على التفاوض من موقع قوة.
أما قبل ذلك، فكل حديث عن "أوراق القوة" يبقى ناقصاً ما دامت أهم ورقة قوة في أي دولة قد سُلبت منا:
قرار الدولة نفسها.
نبض