تنافس تركيا وإسرائيل الذي يحرج واشنطن في سوريا

آراء 21-08-2026 | 04:11

تنافس تركيا وإسرائيل الذي يحرج واشنطن في سوريا

بينما تسعى تركيا إلى سوريا قوية ومستقرة، وتريد إسرائيل سوريا مقيدة عسكرياً وآمنة وفق تعريفها الخاص، تجد واشنطن نفسها في المنتصف...
تنافس تركيا وإسرائيل الذي يحرج واشنطن في سوريا
أبو الظهور (إكس).
Smaller Bigger

لم تعد سوريا ساحة لتنافس إقليمي يمكن احتواؤه بسهولة، بل تتحول تدريجاً إلى نقطة تقاطع بين مصالح ثلاث قوى ترتبط جميعها، بدرجات مختلفة، بالولايات المتحدة، تركيا وإسرائيل وسوريا الجديدة.


ولعل الضربة الإسرائيلية لقاعدة أبو الظهور الجوية في ريف إدلب تكشف بوضوح أن التنافس حول مستقبل سوريا لم يعد يدور فقط حول النفوذ السياسي، بل بدأ ينتقل إلى شكل الجيش السوري، ومواقع انتشاره، ومن يملك حق المساهمة في إعادة بناء قدراته العسكرية.


اللافت في الضربة الإسرائيلية أنها جاءت في توقيت شديد الحساسية، وبعد زيارة وفد تركي للقاعدة لتقييم أعمال إعادة تأهيلها، ثم أعلنت إسرائيل أن هدفها كان منع انتشار عسكري تركي محتمل في الموقع، معتبرة أن ذلك يمثل تهديداً لمعادلاتها الأمنية.

 في المقابل، رفضت أنقرة هذه الرواية بشدة، فيما وصفت واشنطن العملية بأنها تصعيد غير ضروري، ودخلت على خط الأزمة لمحاولة إنشاء آلية اتصال تمنع تحول الاحتكاك إلى مواجهة أوسع.

قاعدة أبو الظهور بحد ذاتها ليست هي القضية، وإنما ما يمكن أن تمثله في المرحلة المقبلة، وهنا تكمن أهميتها، فإذا كانت سوريا تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها العسكرية والأمنية، وإذا كانت تركيا مستعدة للمساهمة في تدريب الجيش السوري وإعادة تأهيل قدراته، فإن إسرائيل تنظر إلى أي إعادة بناء عسكري سوري، وخصوصاً إذا جرى بدعم تركي، من زاوية مختلفة تماماً.

بالنسبة إلى أنقرة، لا تبدو مسألة إعادة بناء الجيش السوري مجرد مشروع دفاعي، بل جزء من تصور أوسع لسوريا مستقرة وقادرة على ضبط أراضيها وحدودها.

تركيا لا تريد أن تبقى سوريا دولة ضعيفة ومفتوحة أمام التنظيمات المسلحة ومشاريع التقسيم والتدخلات الخارجية، ولذلك فإن بناء مؤسسة عسكرية سورية مركزية يمكن أن يخدم في النهاية المصالح التركية نفسها، لأنه يقلل من الفراغ الأمني على حدودها ويمنح دمشق قدرة أكبر على ضبط البلاد.

أما إسرائيل، فتتعامل مع المسألة من منظور أكثر حساسية، فقد اعتادت خلال السنوات الماضية على العمل في بيئة سورية عسكرية ضعيفة، تستطيع فيها ضرب أي بنية تعتبرها تهديداً من دون خشية كبيرة من رد منظم، لكن إعادة بناء جيش سوري يمتلك قدرات حقيقية، وخصوصاً إذا حصل على دعم تركي، تعني أن البيئة الأمنية المحيطة بإسرائيل قد تبدأ بالتغير.

يمكن فهم الضربة الإسرائيلية باعتبارها رسالة استباقية، ليس إلى دمشق وحدها، وإنما إلى أنقرة أيضاً، الرسالة الإسرائيلية تبدو واضحة، إعادة بناء القدرات العسكرية السورية ليست شأناً سورياً داخلياً بالكامل إذا كانت ستقود إلى نشوء ترتيبات أمنية جديدة تراها إسرائيل مهددة لمصالحها.

لكن المشكلة بالنسبة إلى واشنطن أن هذا النوع من الرسائل الإسرائيلية يضعها أمام معادلة شديدة التعقيد، فالولايات المتحدة تريد الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع إسرائيل، وفي الوقت نفسه تحتاج إلى تركيا باعتبارها عضواً رئيسياً في حلف شمال الأطلسي وفاعلاً لا يمكن تجاهله في سوريا، كما أنها تريد دعم استقرار سوريا الجديدة ومنع تحولها إلى ساحة صراع مفتوح بين القوى الإقليمية.


التحذيرات الأميركية بعد ضربة أبو الظهور لافتة، فالمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك، حذر من أن العملية كادت أن تقود إلى مواجهة مع تركيا، ودفع باتجاه إنشاء آلية دائمة لتفادي الاحتكاك بين إسرائيل وتركيا وسوريا، وهذا يعني أن واشنطن بدأت تتعامل مع المشكلة باعتبارها أكثر من خلاف عابر بين حليفين، بل باعتبارها أزمة يمكن أن تهدد مصالحها نفسها في سوريا.


المفارقة أن سوريا، التي يفترض أن تكون صاحبة القرار الأول في مستقبل قواعدها وجيشها، تجد نفسها في قلب تنافس الآخرين على تحديد شكل أمنها، وهذا هو التحدي الأكبر أمام دمشق في المرحلة المقبلة، كيف تعيد بناء مؤسساتها العسكرية من دون أن تتحول إلى ساحة صراع تركي إسرائيلي، أو إلى ورقة في تفاهمات أميركية مع أحد الطرفين؟


ومن المرجح أن تحاول إسرائيل تثبيت معادلة جديدة تقوم على مراقبة أي تحرك عسكري سوري أو تركي، وربما التدخل المبكر قبل اكتمال أي بنية تراها مهددة، وفي المقابل، ستجد تركيا نفسها أمام اختبار حقيقي، هل تواصل دعم إعادة بناء القدرات العسكرية السورية، أم تعيد حساباتها لتجنب مواجهة مباشرة مع إسرائيل؟


أما واشنطن، فستكون أمام أصعب أجزاء المعادلة، فالمطلوب منها ليس منع مواجهة تركية- إسرائيلية وحسب، بل إدارة تناقض المصالح بين حليفين داخل الساحة السورية نفسها، مع الحفاظ في الوقت ذاته على هامش حركة دمشق.


وحادثة أبو الظهور قد لا تكون منفردة، فهي مؤشر على أن الصراع المقبل في سوريا لن يكون فقط على الأرض، بل على شكل النظام الأمني الذي سيحكمها، وكلما اقتربت دمشق من بناء جيش أكثر تماسكاً، وكلما زاد الدور التركي في هذا المسار، ستجد إسرائيل نفسها أمام واقع جديد تحاول منعه قبل أن يترسخ.


ويبقى القول، بينما تسعى تركيا إلى سوريا قوية ومستقرة، وتريد إسرائيل سوريا مقيدة عسكرياً وآمنة وفق تعريفها الخاص، تجد واشنطن نفسها في المنتصف، وهذا هو المثلث الذي قد يجعل إدارة الحالة السورية أكثر صعوبة من أي وقت مضى.

 

*باحث ومستشار سياسي

-المقاربة الواردة لا تعسكب الضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية 

الأكثر قراءة

شمال إفريقيا 8/21/2026 11:32:00 PM
أثارت طفلة مصرية تبلغ 11 عاماً غضباً واسعاً بعدما ألقت بنفسها من الطابق الرابع في الزقازيق، فيما أشارت التحريات الأولية إلى أنها فعلت ذلك خوفاً من والدها.
كتاب النهار 8/21/2026 11:15:00 AM
بات الناس يخافون بعضهم البعض، إذ بماذا يُمكن أن يُفسّر وجودُ كل هذا العتاد في منزل صاحب مولد لتوزيع الكهرباء إلا باستعداده للانقضاض على جيرانه والمقيمين في محيطه...
تركيا 8/20/2026 5:44:00 PM
نشاط زلزالي من الكاريبي إلى اليابان وشرق المتوسط يثير التساؤلات عن وجود رابط بين الهزات المتزامنة. الباحثة السورية في الجيوفيزياء التطبيقية الدكتورة رشا عامر تشرح حركة الصفائح ومناطق الخطر، وتطرح سيناريو لنقل الإجهاد في جنوب تركيا
لبنان 8/21/2026 10:04:00 PM
بعد تسجيل حالات تسمّم استدعت دخول عاملين في ورش تصليح السيارات إلى المستشفى وبعضهم إلى العناية الفائقة، حذّرت وزارة الصحة من استخدام البنزين والمذيبات الصناعية لتنظيف الجلد ومن استنشاق أبخرتها.