حرب المسيّرات تبدأ من الجمارك

آراء 16-08-2026 | 06:33

حرب المسيّرات تبدأ من الجمارك

التكنولوجيا أصبحت مجالاً للصراع على القوة، وسلاسل الإمداد أصبحت جزءاً من الأمن القومي، والتجارة نفسها أصبحت أداة من أدوات الجغرافيا السياسية.

حرب المسيّرات تبدأ من الجمارك
طائرة مسيّرة صينية في معرض للطيران والفضاء في موسكو
Smaller Bigger

د. كلير فخرالدين*

 

 

أظهرت حروب السنوات الأخيرة أن المسيّرة غيّرت معادلة القوة العسكرية. فلم تعد التكنولوجيا العسكرية حكراً على الطائرات المقاتلة باهظة الكلفة أو الأنظمة الدفاعية المعقدة، بل أصبح بإمكان منظومة منخفضة الكلفة نسبياً أن تؤدي أدواراً في الاستطلاع والمراقبة والاستهداف والحرب الإلكترونية، وأن تفرض على جيوش تقليدية إعادة النظر في مفهوم التفوق العسكري نفسه.

تكمن القيمة الحقيقية للمسيّرة في منظومة التكنولوجيا التي تقف خلفها: المحرك، والبطارية، والكاميرا، وأجهزة الاستشعار، والرقائق، وأنظمة الاتصالات والملاحة، والبرمجيات، والقدرة على معالجة البيانات وربطها بالذكاء الاصطناعي. لذلك لم تعد السيطرة على المسيّرة تعني امتلاك السلاح فقط، بل امتلاك التكنولوجيا التي تصنعه، والمكوّنات التي تشغّله، وسلسلة الإنتاج التي تضمن استمراره.

 

ولم يعد الصراع على المسيّرات يجري فقط فوق ساحات القتال، بل انتقل إلى المصانع ومراكز الأبحاث والموانئ وسلاسل الإمداد والأسواق والجمارك. فالدولة التي تستطيع إنتاج المسيّرة ومكوّناتها وتحديثها بسرعة، تملك في الحرب قدرة لا توفرها مجرد حيازة منظومة جاهزة.

تكشف الحرب في أوكرانيا حجم هذا التحول، إذ تتجه البلاد خلال 2026 إلى إنتاج نحو 6 إلى 7 ملايين مسيّرة FPV صغيرة، في مؤشر على انتقال المسيّرة من سلاح محدود الاستخدام إلى صناعة إنتاج حربي واسعة النطاق.

في هذا السياق جاء قرار الرئيس دونالد ترامب في 2026/8/13 بفرض رسوم جمركية مرتفعة على فئات من المسيّرات ومكوّناتها. ولا يمكن قراءة القرار كإجراء تجاري معزول، لأنه يضع التكنولوجيا وسلاسل الإمداد في قلب السياسة الاقتصادية والأمنية الأميركية.

فالرسوم هنا لا تستهدف السعر فقط، بل مصدر التكنولوجيا ومصدر المكوّنات ومكان التصنيع. وهي تدفع الشركات إلى إعادة توزيع مصانعها ومورّديها، وتدفع الدول إلى التفكير في أمن سلاسل الإمداد كما تفكر في أمن حدودها.

وتضع هذه السياسة الصين في قلب المنافسة. فالصراع الأميركي–الصيني لم يعد يدور حول التجارة وحدها، بل حول من يملك التقنيات التي ستحدد شكل القوة في العقود المقبلة: الرقائق، والذكاء الاصطناعي، والبطاريات، والاتصالات، والروبوتات، والمسيّرات.

وتظهر هنا قاعدة جديدة في الاقتصاد الدولي: من يملك التكنولوجيا لا يملك منتجاً فقط، بل يملك هامشاً من القرار السياسي والعسكري. أما الدولة التي تعتمد على الخارج في المكوّنات الحيوية، فقد تكتشف أن اعتمادها الاقتصادي يتحول في لحظة الأزمة إلى قيد استراتيجي.

من هنا تبرز ملامح «العولمة الآمنة»؛ حيث لم يعد السعر وحده معيار اختيار المورد، بل دخلت الثقة السياسية، وأمن التكنولوجيا، واستمرارية التوريد في صلب القرار الاقتصادي. وستدفع هذه المعادلة الشركات إلى موازنة الكلفة مع القدرة على الصمود، والدول إلى إعادة بناء قطاعات صناعية كانت قد تركتها لسنوات لمنطق السوق العالمي.

وتكشف المسيّرات تحديداً أن ميزان القوة في المستقبل لن يعتمد فقط على امتلاك السلاح الأكثر تطوراً، بل على القدرة على إنتاجه بكميات ضخمة، وتأمين مكوّناته، وتحديثه بسرعة. وفي حروب الاستنزاف، قد تكون القدرة على إنتاج ألف مسيّرة إضافية أهم من امتلاك منظومة واحدة أكثر تطوراً.

 

وهذا ما يجعل المسيّرات مقدمة لسباق أوسع، سيمتد إلى الرقائق والروبوتات والذكاء الاصطناعي والأقمار الاصطناعية وأنظمة الطاقة المتقدمة. ومع اتساع هذا السباق، ستتراجع الحدود بين السياسة الصناعية والأمن القومي.

أما الشرق الأوسط، فلن يكون بمنأى عن هذه المعادلة. فقد أصبحت المسيّرات جزءاً من البيئة الأمنية الإقليمية، ومن أدوات مراقبة الحدود والمنشآت الحيوية والطاقة والموانئ. ومع تشدد القوى الكبرى في نقل التكنولوجيا الحساسة، ستزداد الفجوة بين الدول التي تنتج المعرفة والتكنولوجيا، والدول التي تكتفي بشرائها.

لهذا، لا تكمن أهمية القرار الأميركي في الرسوم نفسها، بل في الرسالة التي يحملها: التكنولوجيا أصبحت مجالاً للصراع على القوة، وسلاسل الإمداد أصبحت جزءاً من الأمن القومي، والتجارة نفسها أصبحت أداة من أدوات الجغرافيا السياسية.

المعركة لم تعد فقط على المسيّرات التي تحلق في السماء، بل على المصانع والرقائق والبرمجيات والبيانات والمواد التي تجعلها قادرة على التحليق.

وقد لا تبدأ حرب المسيّرات المقبلة بإطلاق صاروخ. قد تبدأ بقرار جمركي.

 

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

الأكثر قراءة

العالم العربي 8/13/2026 11:33:00 PM
ماذا حدث لسفينتين تابعتين لـ"أدنوك" أثناء عبورهما مضيق هرمز؟
فن ومشاهير 8/14/2026 7:52:00 PM
فرحة جديدة في العائلة الملكية الأردنية... الأميرة إيمان وزوجها جميل ألكساندر ترميوتس يرزقان بتوأمين
العالم العربي 8/15/2026 6:55:00 AM
ماذا طلبت سفارة سوريا من مواطنيها المقيمين في مصر بشأن الإقامات والمخالفات والغرامات؟
دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات