من سرديات الدين وإتقان العمل

آراء 22-05-2026 | 09:53

من سرديات الدين وإتقان العمل

كنت أراقب من شقتي في بيروت مشروع ترميم حديقة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، فإذا بي وقد خيّل إلي أنها منشأة باطونية استخدم العاملون فيها لصبّ الباطون الطرقَ "الخنفشارية" المعهودة
من سرديات الدين وإتقان العمل
العلم اللبناني (صورة تعبيرية).
Smaller Bigger

القاضي الشيخ محمد نقري


تختلجني هذه الأيام بعض الأفكار عن مدى تأثير القيم الدينية في تصرفات المؤمن. في المحصّلة الأخيرة وصلت إلى نتيجة بأنه حتى يستقيم تعريفنا لشخصية المؤمن لا بد من النظر إلى حسن تصرفاته، وجودة أعماله، وليس فقط الى مجرد التلميح لتمظهره الديني الشكلي وإظهاره للملأ تأديته للواجبات والشعائر الدينية.  

منذ عدة سنوات استوقفني بكل أسف وخجل "الاستلشاق" بإتقان العمل في بلادنا؛ فقبل سنين، قمت بترميم أحد الأقسام داخل شقتي في بيروت، واستقدمت عاملاً تقياً ورعاً أو هكذا يبدو، يخصص نصف وقته في العمل للوضوء والصلاة والنصف الآخر للعمل؛ عند انتهائه ومغادرته لم يكد يمرّ شهران أو ثلاثة حتى فوجئت بأن كل ما نفّذه من أعمال بحاجة إلى تصليح في الصميم، حتى الحنفيات من أشهر الماركات تحوّلت من "البلاتين" اللامع إلى الأخضر الصدِئ ثم إلى الأسود الفحِم. منذ عدة سنوات، أجرينا ترميمات في بيتنا العائلي في فرنسا؛ العامل الذي اخترناه لا يعرف معنى الصلاة ولا الوضوء ولا يشير مصلّباً على صدره، ولم أسمعه يستعين بالقديسين ولا بالعذراء مريم، وها قد مرّت السنوات وكأني بما قام به يزداد جودة ولمعاناً وإتقاناً....

سؤال أسأله: أين الخطأ؟... لا أقول في النصوص الدينية مطلقاً وإلا لكنا السباقين في الإتقان و"المهنية" من بين دول العالم... إذ إنه مع كثرة هذه النصوص لم أجد لها على أرض الواقع أيّ صدى سوى التهليلات في المساجد والكنائس، وهزّ الرأس عند مخاطبة المؤمنين بها.... وعند الخروج من مجالس الوعظ والصلاة يتلافى كلّ شيء... تتردد على مسامعنا آيات قرآنية كثيرة وأحاديث نبوية بأننا مسؤولون ومحاسبون عن أعمالنا وأن "من غشنا ليس منا"، وفي الإنجيل و(َكُلُّ مَا فَعَلْتُمْ، فَٱعْمَلُوا مِنَ ٱلْقَلْبِ).... فإذن، أين الخطأ؟

من أرقى وأسمى الأحاديث النبوية التي لم يطبقها بعض المسلمين في حياتهم اليومية، سواء في مصانعهم أو مساكنهم أو ملابسهم أو شوارعهم أو طرقاتهم أو حاراتهم أو محلاتهم التجارية أو مدارسهم أو جامعاتهم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه". يضاف إلى هذا الحديث النبوي عند غير المسلمين ما جاء في تعاليم الكتاب المقدس (بِالأَعْمَالِ يَتَبَرَّرُ الإِنْسَانُ، لاَ بِالإِيمَانِ وَحْدَهُ). يتشارك الكثير من قراء هذه النصوص الدينية، والذين هم من فئة الخاملين وأصحاب الصفات المتراخية والمهملة في مجال عدم إتقان العمل. طفت البلاد والأصقاع ولكنّي لم أجد أكثر ازدراء واتساخاً وفوضوية من بلاد العرب ومجاهل أفريقيا والقارة الهندية بالمنافسة والمشاركة مع بلاد أميركا اللاتينية... أحياؤهم وطرقاتهم ومساكنهم وجدرانهم ومزارعهم ومحلاتهم مهملة... وجماهير الناس تراهم جالسين القرفصاء دون أن تحركهم نخوة ويقظة ضمير ولا كلام نبي مرسل حتى يهبّوا لتنظيف أحيائهم ورفع التراب والغبار عنها وإعادة طلائها... كلّ ما يقومون به من عمل وبناء وخدمات أقلّ ما يقال عنه "إنه غير متقن وغير مكتمل"... ثم تراهم يرفعون أيديهم إلى السماء ويستعطفونها طلباً للرزق والبركة.. فأنّى يستجاب لهم!

توجهت منذ أشهر في ريفنا الفرنسي إلى "الكوافير" لأقصّ شعري بعد انتظار أسبوع من الزمن لزحمة المواعيد. وصلت قبل الموعد بربع ساعة - وهو أمر نادر الوقوع والأندر منه الوصول متأخّراً - عندما حان دوري، إذا بي متمسمّراً على الكرسي دون أدنى حركة بينما الكوافير يمسك مشطاً ومقصّاً ليستبدله بمجموعة من آلات الحلاقة الكهربائية حتى تهيّأ لي بأنه خصص لكلّ شعرة مقصاً وآلة حلاقة. كان الحديث يدور بيننا عن حالة الطقس والإجازة الصيفية.

 

أمضيت ثلاثة أرباع الساعة بين قفزات الكوافير  إلى الوراء ثم تلفّته إلى اليمين والشمال ليتناول المقصّ ويقطع دابر شعرة عصت عليه ولم ينتبه إلى أنها خرجت من المجموعة، حتى بدا لي أنه فنّان متخصص في رسم اللوحات الباهرة. تذكّرت " كوافيرنا" في بيروت، فهو رغم انقطاع الكهرباء يجزّ شعري في خمس دقائق، وليس لديه مجموعة آلات حلاقة، بل آلة حلاقة واحدة أشبه بآلة جزّ صوف خراف أستراليا....وحديثه الذي يحدثني به هو عن صيد السمك والغطس على شاطئ المنارة... الأغرب في هذه السردية أن النتيجة النهائية لقصة شعري هنا وهناك هي واحدة.

في هذا الأسبوع وما سبقه من أيام نقوم بتأهيل الحديقة في منزلنا الريفي في فرنسا؛ وذلك بإعادة تزفيت الممر واستحداث ممرات جديدة وتبليط جزء منها. ما ذكرته عن "الكوافير" الفرنسي ينطبق على عمال الترميم، كأنهم يزاولون مهنة الكوافير في التزفيت والتبليط، يتقدّمون ويتقهقرون خلفاً، ثم يقفزون وينبطحون ويقيسون مستوى التباعد والتقارب، ثم يعيدون النظر في إنجازاتهم، ويصلحون ما بدا منها جميلاً إلى ما هو أجمل وأشدّ رونقاً، ثم يضعون طبقات فوق طبقات من الحصى والإسمنت حتى خيّل إليّ أنهم وصلوا إلى الطبقات السفلى عند "السبع أرضين"... لا وقت لديهم مطلقاً في إضاعته: لا صلوات ولا شعارات ولا تسابيح ولا تهاليل: العمل بلا توقف من الثامنة صباحاً إلى السادسة مساء، يتخلّله وقت الغداء وشرب القهوة. آلاتهم وجراراتهم ومعداتهم و"دحْدَيْلاتهم" وشاحناتهم تكاد لا تحصى...

 

في مطلّ آخر، كنت أراقب من شقتي في بيروت مشروع ترميم حديقة المفتي الشهيد الشيخ حسن خالد، فإذا بي وقد خيّل إلي أنها منشأة باطونية استخدم العاملون فيها لصبّ الباطون الطرقَ "الخنفشارية" المعهودة. عمال يعملون وآخرون يتسامرون ومهندسون غائبون عن السمع خشية التعرف عليهم والبصق في وجوههم... انتهى الترميم بعد أشهر طويلة ممدّدة بتحويل الحديقة إلى منشأة باطونية جرداء.

النتيجة التي وصلت إليها بأنه لا قيمة لتدين المتمظهرين برداء الدين والتقى والصلاح إن لم يجعلوا من إيمانهم ترجمة لأعمالهم وأشغالهم وتصرفاتهم وكلامهم ومشيهم ووقوفهم.... حتى بدا لي الإيمان ميزاناً دقيقاً جداً به يقاس الصادق من الكاذب، والعامل من الخامل، والمجاهد من الخائن، والعادل من الظالم، والحكيم من الخسيس.


العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
كتاب النهار 5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان 5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
لبنان 5/21/2026 8:26:00 AM
يجد الضباط صعوبة في تحديد الاستراتيجية التي تتبعها القيادات العليا