كيف يبتلع "المركب العسكري" الديموقراطية الأميركية؟

آراء 03-05-2026 | 06:30

كيف يبتلع "المركب العسكري" الديموقراطية الأميركية؟

لقد استحال الجيش الأميركي من مجرد "زبون" يشتري العتاد إلى جزء عضوي من "ضفيرة" وجودية معقدة، تكتّل داخلها العملاق الصناعي، وماكينة الحرب، ومختبرات البحث والتطوير.
كيف يبتلع "المركب العسكري" الديموقراطية الأميركية؟
التحول الجوهري في الولايات المتحدة حدث بعد الحرب العالمية الثانية (أ ف ب)
Smaller Bigger

إيمان درنيقة الكمالي*

 

منذ فجر استقلالها، خاضت الولايات المتحدة أكثر من 400 حرب، إلا أن التحول الجوهري حدث بعد الحرب العالمية الثانية؛ عندما قفزت الكثافة الحربية لتبلغ معدلاً صادماً يصل الى 3 حروب سنوياً. هذا الرقم لا يعكس توتراً أمنياً عارضاً، بل يكشف عن بنية اقتصادية صُممت لتقتات على الصراع، إذ تُعلن الحرب أولاً، ثم تُهندس لها المبررات لاحقاً.

لقد استحال الجيش الأميركي من مجرد "زبون" يشتري العتاد إلى جزءٍ عضوي من "ضفيرة" وجودية معقدة، تكتّل داخلها العملاق الصناعي، وماكينة الحرب، ومختبرات البحث والتطوير. هذا هو "المركب الصناعي العسكري" (Military-Industrial Complex)، المصطلح الذي حذر منه الرئيس دوايت أيزنهاور في خطاب وداعه الشهير. لقد تجاوز هذا المركب حدود حماية الدولة ليقوم بـ"هندسة" النشاط الصناعي والذكاء البشري لخدمة عمليات التدمير؛ فالسلاح أصبح هو الغاية، والحروب هي الوسيلة لضمان استمرار دوران المصانع.

 

الكينزية العسكرية

في قلب هذا التوجه، تتجلى "الكينزية العسكرية" كآلية لتحفيز الاقتصاد؛ إذ حُرف منطق جون ماينارد كينز من الاستثمار في البنية التحتية والخدمات المدنية إلى الاستثمار في الترسانات. وهنا يُستحضر مفهوم "التدمير الخلّاق" في سياق مادي بحت؛ فالحرب تُمثل "حقنة أوكسجين" تُنعش جسد النظام لإنقاذه من الركود، فتصبح المدافع بديلة من المدارس، والميزانية الدفاعية ثقباً أسود يبتلع مقدرات التنمية، مما يفسر تراجع جودة البنى التحتية الأميركية مقارنة بدول صناعية أخرى.

ويرتكز هذا النظام على تحالف عضوي يُعرف بـ"المثلث المحرم"، حيث تتشابك مصالح شركات السلاح التي تزداد ربحيتها باستدامة الحروب، مع الدور المحوري لمراكز الفكر (Think Tanks) وعلى رأسها مؤسسة راند (RAND Corporation) التي تصوغ النظريات الاستراتيجية لتبرير الميزانيات الضخمة وتوجيه القرار السياسي وفق أجندة الممول، ومدد الجهاز المصرفي في "وول ستريت" الذي يغذي هذه الدورة مالياً.

وبالتوازي مع ذلك، تعرضت آلية اتخاذ القرار في واشنطن لاختراق منهجي عبر "ظاهرة الباب الدوار" (Revolving Door)؛ إذ ينتقل الجنرالات ومسؤولو الدفاع الكبار للعمل كأعضاء مجالس إدارة في شركات السلاح فور تقاعدهم، بينما ينتقل مديرو تلك الشركات لتولي مناصب سياسية رفيعة. هذا التداخل جعل لشركات السلاح "مندوبين" مباشرين داخل أروقة التشريع، يوجهون الميزانيات عبر لوبيات الضغط وتمويل الحملات الانتخابية. وبذلك، سقط نظام "الضوابط والروادع" (Checks and Balances) أسيراً لهذه الكارتيلات، ولم يعد صانع القرار يمثل إرادة الناخبين، بل أصبح أداةً لضمان تدفق العقود العسكرية، لتصبح الديموقراطية مجرد واجهةٍ براقة لنظام تقوده مصالح السلاح.

لقد وصل النظام إلى مرحلةٍ لم يعد فيها الاقتصاد أداة لتيسير حياة البشر، بل غاية لتحقيق الربح عبر الأنقاض. الإنتاجية هي المعيار الوحيد، أما الخسائر البشرية فليست إلا "إحصائيات" تُعزز قيمة الأسهم وتكسر حدة تناقص معدلات الربح تاريخياً.

في الختام، تواجه الولايات المتحدة اليوم أزمة بنيوية وجودية؛ فالمحرك الذي يدير اقتصادها هو نفسه الذي ينهش قيمها الديموقراطية ويدمر بنيتها المدنية. إن الاعتماد على "محرك التخريب" كقاعدة للنمو يضع أميركا أمام تساؤل حتمي: هل يمكن نظاماً جعل من التدمير عقيدته وأساس استقراره المالي أن ينجو من تبعات هذا النهج على المدى الطويل؟


*أستاذة جامعية- باحثة سياسيّة

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
أبلغ دونالد ترامب الكونغرس بأن الحرب مع إيران “انتهت”، في محاولة لاحتواء الجدل القانوني مع بلوغ مهلة الـ60 يوماً دون تفويض تشريعي
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي".