مضيق هرمز وأوروبا ـ اختبار النفوذ في زمن الأزمات
لم يعد مضيق هرمز مجرد بؤرة توتر إقليمي، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة العالم على حماية شريان الطاقة الأهم. فمع استمرار التوترات خلال أبريل 2026، يبدو المضيق عالقاً بين حالتين: لا حرب شاملة ولا استقرار فعلياً، بل منطقة رمادية تحكمها الشكوك والمخاطر.
تكمن خطورة الوضع في أن المشكلة لم تعد عسكرية فقط، بل تشغيلية واقتصادية بالدرجة الأولى. فحتى مع الحديث عن وقف النار، لا تزال الألغام البحرية، وغموض المسارات، ومخاوف شركات التأمين، عوامل تعرقل عودة الملاحة الطبيعية. ببساطة، المضيق لا يُغلق بقرار سياسي فقط، ولا يُفتح ببيان ديبلوماسي، بل عندما تستعيد الأسواق ثقتها بسلامة العبور.
ترتيبات جماعية
يبدو النهج الأميركي القائم على الأحادية واستعراض القوة محدود الفعالية. فالممرات الدولية الحساسة لا تُدار بمنطق القوة فقط، بل عبر ترتيباتٍ جماعية معقدة توازن بين الأمن والقانون والتجارة. التجربة الحالية تؤكد أن الردع وحده لا يكفي لإعادة تشغيل ممرٍ بحري بهذا الحجم.
هنا يبرز الدور الأوروبي كخيار مختلف، فبدلاً من التصعيد، تسعى أوروبا إلى بناء إطار تعاوني يقوم على حرية الملاحة، والشرعية القانونية، والتنسيق البحري. القمة التي عقدت في باريس بمشاركة عشرات الدول تعكس هذا التوجه، بحيث تم التركيز على إعادة فتح المضيق من دون شروط، مع الاستعداد لتشكيل مهمة دولية لحماية الملاحة.
ميزة أوروبا لا تكمن في تفوقها العسكري، بل في فهمها لطبيعة الأزمة. فإعادة الاستقرار تتطلب منظومةً متكاملة تشمل إزالة الألغام، وتأمين الممرات، وتوفير ضمانات لشركات الشحن والتأمين، إضافةً إلى وضوح قانوني يعزز الثقة. إنها عملية إعادة بناء ثقة بقدر ما هي عملية أمنية.
تجنب المواجهة
مع ذلك، تبقى حدود الدور الأوروبي واضحة، فلا يمكن أوروبا وحدها فرض الاستقرار إذا استمر التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران. كما أن نجاح أي مبادرة جماعية يظل رهناً بقدرة الأطراف الكبرى على تجنب الانزلاق نحو مواجهة أوسع.
المشهد الحالي يشير إلى أننا أمام نمط عدم اليقين، إذ تستمر الملاحة بشكل محدود وتحت إجراءات احترازية مكلفة، بينما تبقى الأسواق في حالة ترقب دائم. في مثل هذا الواقع، لا يكون الهدف إنهاء الأزمة بالكامل، بل إدارتها وتقليل تداعياتها.
قد تدفع هذه الأزمة إلى تسريع البحث عن بدائل من مضيق هرمز، سواء عبر مسارات نقلٍ جديدة أو تعزيز الاعتماد على الطاقة المتجددة. لكن حتى ذلك الحين، سيظل المضيق عنصراً لا يمكن الاستغناء عنه في معادلة الطاقة العالمية.
إن السؤال ليس من يسيطر على مضيق هرمز، بل من يستطيع جعله آمناً وقابلاً للاستخدام. وهنا قد تمتلك أوروبا فرصة حقيقية لتقديم نموذج مختلف في إدارة الأزمات، قائم على التعاون لا المواجهة. نجاح هذا النموذج قد لا ينهي الأزمة، لكنه قد يمنعها من التحول إلى كارثة عالمية مفتوحة.
*باحث في الأمن الدولي والإرهاب (بون)
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.
نبض