تضارب اللاءات وشلل القدرة السياسية في لبنان
سيروج أبكيان*
ظهر لنا مفهوم " اللاءات " منذ العام 1967 في اجتماع الخرطوم للقمّة العربية على خلفية الهزيمة التي سُميت بالنكسة، حين تبنّت الدول المجتمعة ثلاث لاءات مرتبطة بالقضية الفلسطينية لتثبيت الثوابت وهي: لا تفاوض مع إسرائيل، لا صلح ولا اعتراف بها، ومن هنا كرّت السبحة في انتهاج مبدأ اللاءات على كافة الصعد الداخلية منها والخارجية، وللمفارقة أغربها هي تلك الداخلية التي تأتي بعد هزائم خارجية.
أمّا في لبنان فلم يعد مفهوم "اللاءات" في الحياة السياسية مجرد تعبير ظرفي عن مواقف تفاوضية، بل تحوّل إلى بنية ذهنية وسياسية متجذّرة تُدير من خلالها القوى المختلفة صراعاتها وتوازناتها. هذه "اللاءات" التي يُفترض أن تكون خطوطاً حمراً لحماية المبادئ، أصبحت في الواقع قيوداً تُكبّل النظام السياسي الهشّ وتمنعه من إنتاج حلول، لتتحول السياسة من فنّ الممكن إلى فنّ التعطيل وبالتالي تراكم الازمات عبر السنين.
أبرز اللاءات
أبرز "اللاءات" اللبنانية هي التي جاءت بين الرئيس كميل شمعون وكمال جنبلاط، لا للحرب لا للتّوطين ولا للتّدخل السّوري، هذه اللاءات كانت اتفاقية أمّا فيما بعد انتقلنا إلى التخاصمية منها. وأصبح كل طرف سياسي يقول لاءه برفع الأصبع: لا لنزع سلاح الحزب بالقوة أو بقرار داخلي، لا لإلغاء دور "المقاومة" في المعادلة الدفاعية، لا لهيمنة فريق سياسي واحد على البلد، لا لفصل لبنان عن محوره الإقليمي (خصوصاً العلاقة مع إيران وسوريا)، لا لأي اتفاقات تُضعف موقعه الاستراتيجي، لا للتخلي عن دعم القضية الفلسطينية، لا للفصل بين جبهات "محور المقاومة"، لا للحياد الكامل في الصراعات الإقليمية عندما يعتبر أن مصالحه أو حلفاءه مهددة، لا للتخلّي عن المقاومة، لا للرضوخ للإملاءات الخارجية، لا للتنازل عن الثّوابت، لا للاعتراف باسرائيل، لا تنازل عن الاراضي اللبنانية، لا للتطبيع، لا لإسقاط العهد، لا انتخابات مبكرة، لا وقف لجبهة الاسناد، لا عودة للمستوطنين، لا فراغ أمني في جنوب لبنان (دون تحديد ماهية هذا الأمن إن كان وطنياً رسمياً أم فئويّاً)، لا تفاوض تحت النّار، لا تفاوض قبل وقف العدوان، لا تفاوض قبل عودة النّازحين، لا للصدام المباشر مع "حزب الله".
لا لسلاح خارج الدولة
يقابل هذه اللاءات لاءات أخرى منها: لا لسلاح خارج الدولة، لا لهيمنة محور خارجي على لبنان وقراره، لا لربط لبنان بصراعات إقليمية، لا لسلاح غير شرعي، لا لأي دور عسكري خارج الدولة، لا للانخراط الكامل في أي محور، لا لفرض خيارات بالقوة، لا لتهميش دور المسيحيين، لا سكوت عن قهر الشعب واذلاله، لا لكلّ سلاح غير شرعي ومتفلّت الاستعمال وغير خاضع للدولة، لا للتعدّي على مشاعات المدن والبلدات والقرى وعلى أراضي الغير، لا لاختلاق أوضاع تمسّ كيان الوطن ومؤسساته تحت تسمية الضرورة ولا لتحويل لبنان إلى ساحة صراع بالوكالة.
تتجلّى هذه الظاهرة بوضوح في التناقض الحاد بين مواقف القوى الأساسية. فمن جهة، يتمسّك "حزب الله" بلاءات تعتبر بالنسبة له وجودية، ومن جهة أخرى، ترفع القوى الأخرى لاءات مقابلة تعتبره سيادية.
غير أن المشكلة لا تكمن فقط في تعارض هذه اللاءات، بل في طبيعتها "المطلقة" الأبعد من أن تكون ناهية أو نافية.
فهي لا تُطرح كعناوين قابلة للنقاش أو للتدرّج، بل كمسلّمات نهائية غير قابلة للمراجعة، وخطوط حمراء سياسية أكثر من أن تكون خطوطاً لتحديد مبادئ وأسس يمكن البحث فيها على مستوى الوطن. فهي خطوط حمراء ومواقف آنية تمحو القدرة على التواصل وتمنع أي نوع من الالتقاء، فيبحث صاحب كلّ "لا" عن توثيق ارتباطه الخارجي فبالتالي تشتيت القرار وتمزيق الوطن مع عدم مراعاة طريق العودة. وهنا تحديداً تتعطل آلية السياسة في لبنان، لأن أي عملية تفاوض تفترض، بطبيعتها، إمكانية التنازل النسبي أو إعادة الصياغة. أما في الحالة اللبنانية، فإن التراجع عن "لا" واحدة قد يُفسَّر كتهديد للوجود أو كخيانة للهوية وانكسار تام (وهي حقيقة وواقع)، وهذا ما يجعل الجمود الخيار الأكثر أماناً لكل طرف ويدفع البلد الى المزيد من تراكمات المشاكل، والتخلّف يجرّ التخلّف.
إن هذا الجمود لا يمكن فهمه بمعزل عن البنية الطائفية للنظام. فكل طائفة أو مكوّن سياسي يرى في "لاءاته" ضمانة لحماية نفسه من الآخرين، في ظل تاريخ طويل من الصراعات وعدم الثقة. وبالتالي، تتحول "اللاءات" إلى أدوات ردع داخلية، تُستخدم ليس فقط في مواجهة الخصوم، بل أيضاً في طمأنة الجمهور. وهنا تصبح السياسة رهينة "الخوف الجماعي" وبعبارة أدقّ "التخويف الجماعي"، حيث يتمّ تعطيل المؤسسات وتبقى التوازنات هشّة، فيسود المنطق الانقسامي بل يعمّق أكثر فأكثر الى درجة التخوين واطلاق مفهوم أعداء الداخل. والاستمرار بهذا النّهج أدّى بالبلاد الى الانعدام التام للثقة.
ومن أبرز تجليات هذا الشلل، الأزمات الدستورية المتكررة: فراغ رئاسي يمتد لأشهر أو سنوات، حكومات تُشكَّل بعد مخاض طويل، وبرلمان عاجز عن إنتاج تشريعات إصلاحية. كل ذلك ليس نتيجة غياب الحلول، بل نتيجة تضارب "اللاءات" التي تمنع حتى مناقشة هذه الحلول، فهناك "نعم" وحيد وهو توزيع الغنائم والفساد. فكل اقتراح يُواجَه فوراً بجدار من الرفض المسبق، بدل أن يُناقش ضمن منطق الأخذ والرد.
إلى جانب البعد الداخلي، تلعب العوامل الإقليمية دوراً حاسماً في ترسيخ هذه اللاءات. فارتباط معظم القوى بمحاور خارجية، مثل ارتباط حزب الله بـ إيران، يقابله ارتباط قوى أخرى ببيئات عربية وغربية، يجعل من "اللاءات" انعكاساً لصراعات أكبر من لبنان نفسه. وهكذا، يصبح القرار السياسي الداخلي مرتهناً لتوازنات إقليمية، ما يضاعف صعوبة الوصول إلى تسويات محلية، ونبقى رهن التغيرات الاقليمية. ويزداد العقم عقماً عندما يتقرر عند صانعي القرار الحفاظ على ال Status quo ، والاسوأ عندما يكون ذلك ثباتاً على استمرار النزاعات.
من منظور علم التفاوض، كما يوضحه William Ury، فإن التمسك بالمواقف الصلبة (Positions) دون الانتقال إلى المصالح الحقيقية (Interests) يؤدي إلى ما يُعرف بـ "الطريق المسدود". ففي لبنان، يتم التعبير عن المخاوف الأمنية، والهواجس الوجودية، والرغبة في النفوذ، عبر "لاءات" مطلقة، بدل تحويلها إلى مطالب مشتركة قابلة للنقاش. وهذا ما يُفقد العملية السياسية مرونتها، ويجعلها عاجزة عن إنتاج حلول مبتكرة.
الأخطر من ذلك، هو أن هذه اللاءات تُغذّي نفسها بنفسها. فكلما تمسّك طرف بـ"لا" معينة، شعر الطرف الآخر بضرورة الرد بـ"لا" مضادة، في حلقة تصعيدية تُراكم التعقيد. ومع مرور الوقت، تتحول هذه اللاءات إلى جزء من الهوية السياسية لكل فريق. ولأن الهوية السياسية مرتبطة بالهوية الثقافية وبالمخاوف الوجودية والدينية والطوائفية، فتصبح هذه "اللاءات" جزءاً من الهوية الوجودية الكاملة، بحيث يصبح التخلي عنها شبه مستحيل دون كلفة داخلية كبيرة غير بنّاءة لا بل هدّامة، كالاغتيالات والأحداث الأمنية الأخرى، لأنها أصلاّ مبنية على "لا" سلبية وليس على "لا" إيجابية.
وللمفارقة، كلّ من يملي لاءه، في الحقيقة يملي ماذا يرفض دون أن يقول ماذا يريد. ويعود ذلك الى سببين، أولاً، وهو الأهم، لعدم حصر ماذا يريد، لأن عندما تنتصر الـ "لا" السياسية على أخرى تفتح المجال الواسع لفرض كافة أنواع الـ "نعم" السياسية، وتنتقل القوى الى ربط الأمور للدّفع نحو سيطرة لا حدود لها، فعلى سبيل المثال الـ"لا" للاعتراف بإسرائيل، لا يغدو موقفاً لبنانياً فقط، لا بل ينسحب الى فرض سياسات مقاطعة في شتّى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والرياضية...، كما ينتقل الى خارج الحدود لتشمل قضايا غير لبنانية، منها القضية الفلسطينية وإسناد غزة والتدخل في الحرب السورية...، حتى يصل إلى محاربة أصدقاء إسرائيل ضمن أجندات غريبة. وثانياً، الـ "لا" المنتصرة أهم من الـ "نعم"، الـ"نعم" غالباً ما يكون موضوع تلاقٍ ومحدد ومنتج، أي يمكن أن تكمن فيه شراكة ما، أما الـ "لا" المنتصرة فهي بالضرورة قائمة على انكسار الطرف الآخر، وكسر القوى المعارضة، بالتالي التفرّد والحصرية، مع انتظار ردّات الفعل التعطيلية في وجه الـ"لا" المنتصرة. فنعود إلى الدوامة ذاتها: شلل دائم للبلاد، وعدم إنتاجية سياسية. هنا يجدر بنا الذكر، أن حتى الحوارات الداخلية اللبنانية لم تكن يوماً نتيجة وعيٍ جماعي، لا بل كانت نتيجة تعادل في قوّة الـ"اللاءات" المتناقضة، التي أدّى تمسّك كل طرف بها إلى حوار وطني كاذب وعقيم قاد إلى التعطيل فإلى الصراعات.
بين الـ"اللاءات" السيادية، الوجودية، الدينية والخرافية انكسر الوطن، في حين كان يجب كسر الأصبع الرافض.
إن كسر هذه الحلقة لا يعني إلغاء "اللاءات"، بل إعادة تعريفها. فبدل أن تكون نهايات مغلقة، يمكن أن تتحول إلى بدايات لنقاش أعمق حول المصالح المشتركة، التي وجب البحث عنها لقلّتها اليوم. فالجميع، رغم خلافاته مسؤول، وعليه أن يتقاطع مع الآخر عند نقاط أساسية: الحاجة إلى الاستقرار، الخوف من الانهيار، والرغبة في الحفاظ على الكيان اللبناني. لكن هذه القواسم المشتركة تبقى مغمورة تحت طبقات من الخطاب التصادمي، وخيانة الماسكين بالسلطة لتنفيذ أجندات خارجية، وخيالات وأحلام جزء من الشعب المخطوف والمغلوب الذي يبحث عن وطن ولا يجده، وفئات أخرى من الناس تعتبر أنها هي الدولة وتصبح أقوى من الدولة.
في المحصلة، إن شلل القدرة السياسية في لبنان الناتج عن تضارب المصالح، هو أيضاً مسألة نظام لم يحاكي التنوع لمنع التضارب في المصالح. والسياسة التي تُدار بمنطق "اللاءات" المطلقة تتحول إلى لعبة صفرية وانتقامية، حيث يُنظر إلى أي مكسب لطرف كخسارة وانكسار للطرف الآخر.
وفي ظل هذا المنطق، يغيب الحل، ويستمر التعطيل، وتنحلّ الروابط الاجتماعية، ويبقى لبنان أسير معادلة قاسية: الجميع يرفض، والدولة لا تملك القدرة على الفعل، فتبقى دون قرار.
*مدير مركز MEC affairs
نبض