هل تقود السعودية في البحر الأحمر تحالفاً دفاعياً متعدد الجنسية؟
تتخذ المملكة العربية السعودية دوراً أمنياً بارزاً وجلياً في الشرق الأوسط، بقيادتها تحالفاً بحرياً متعدد الجنسية هدفه حماية ممرات السفن البحرية في البحر الأحمر، وبتعميق تعاونها العسكري مع الولايات المتحدة. تحصل هذه التطورات فيما تواجه مصر أول اعتداء "مسيّراتي" عليها متصل بالصراع الإقليمي الأوسع، وتنفّذ واشنطن مبادرة ديبلوماسية تهدف إلى إنهاء الحرب في غزة.
هل تشكل هذه التطورات المتوازية نقلةً في البنية الهندسية الأمنية للشرق الأوسط؟ وهل تبرز العربية السعودية قوة إقليمية نافذة؟ وهل تكشف عن خطط لقيادة تحالف دفاعي بحري متعدد الجنسية لحماية البحرية التجارية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وخليج عدن، وتتبع ذلك سلسلة هجمات وتهديدات لأكثر الطرق البحرية إشغالاً وانشغالاً؟
لقد لقيت المبادرة دعماً من 14 دولة بما في ذلك تركيا وباكستان ومصر. ومن بين دول الخليج العربي الست وحدهما عُمان والإمارات العربية المتحدة لم تكونا ضمن لائحة الدول المؤيدة للمبادرة والداعمة لها. هذا أمرٌ مثير للاهتمام، إذ إنه خلال عقود عدة بدت الولايات المتحدة الضامن الأول وربما الوحيد لحرية الأبحاث في المناطق المذكورة. لذا يُصبح السؤال الآتي: هل يعكس التحرّك السعودي مشاركة واشنطن لهذا العبء أو يشهد الجميع في المنطقة اليوم نقلةً أكثر أساسية في البنية الهندسية لأمن الشرق الأوسط؟
عن هذه الأسئلة وأخرى كثيرة غيرها متصلة بها يجيب باحث آسيوي غير عربي معروف بدقة معلوماته واستنتاجاته. يقول: "ما ورد في الأسئلة أو التساؤلات مهم. ولكن أعتقد بوجود حاجة إلى رؤية ذلك كله بأحجامه الحقيقية. بكلمات أخرى، تبقى الولايات المتحدة الدرع الدفاعية للخليج، وليس لدوله خيار آخر. فهي قد ترى مواقف الولايات المتحدة بقيادة دونالد ترامب صعبةً، ولا سيما في تطورات مواقفها، ولا يمكن الاعتماد عليها بعدما وضعت الدول الخليجية في موقع صعب مع إسرائيل التي هاجمت إيران في 28 شباط الماضي. ولكن بصرف النظر عن ذلك، ليس لدى دول الخليج العربية بديل آخر ولا مكان تلجأ إليه. ما نراه اليوم، وخصوصاً إذا وضعت الحرب على إيران أوزارها، هو جعل دول الخليج الوجود الأميركي على أراضيها مشروطاً بأمور ومواقف عدة، وباستشارات مسبقة وشبه منتظمة. وفي الوقت نفسه تريد دول الخليج تنويع علاقاتها لإكمال الوجود الأميركي، ولكن ليس للحلول مكانه".

من أطلق التحرّك السعودي؟ وهل تسعى المملكة إلى دور القيادة في مرحلة من المراحل؟ يجيب الباحث الآسيوي غير العربي نفسه: "هذه مسألة مبدأ في اعتقادي، وهي مبادرة سعودية، رغم أن الولايات المتحدة والأمم الأوروبية كانت قد قاربتها. لكنها ليست جزءاً من هذا التحالف في الوقت الراهن. لا يعني ذلك أنها لن تنضم إلى التحالف المذكور عندما تتحرّك الأوضاع والأمور. يجب الانتباه إلى أن التحالف مركّز على البحر الأحمر. وهو أولاً وقبل كل شيء يتعلق باليمن وبالثوار الحوثيين المدعومين من إيران أكثر مما يتعلّق بإيران نفسها. ولا بد هنا أن نذكر أنّ للولايات المتحدة العدد الأكبر من القوى العسكرية والقواعد والموجودات والأصول في الخليج وفي الشرق الأوسط. لكنها ليست الوحيدة. فلبريطانيا قاعدة في الخليج ولفرنسا أيضاً. كذلك لتركيا قاعدة في الخليج والمنطقة".
هل لدى السعودية التي يفترض أن تقود التحالف المشار إليه أعلاه الرصيد والصدقية العسكرية والديبلوماسية والسياسية لتحقيق أهدافها في الخليج؟ "عندها لا شك الصدقية الديبلوماسية"، يجيب الباحث الآسيوي غير العربي نفسه. ويضيف: "الدول قد تكون ميّالة للانضمام إلى التحالف السعودي في البحر الأحمر، بخلاف الموقف الذي اتخذه حلفاء أميركا في حلف شمال الأطلسي عندما هاجمت إيران. علماً أن التحالف المذكور أعلاه يضم أكبر دولة شارية للسلاح وخصوصاً من الولايات المتحدة، ولكن من غيرها أيضاً. إلى ذلك، أثار الأداء في حرب اليمن خلال السنوات الـ11 الماضية أسئلة عدة. لعل مثال ضرب مدرج مطار العاصمة صنعاء كان صادماً جرّاء الدقة التي نُفّذ بها. على بريطانيا وفرنسا أن تتجاوبا مع الدعوة السعودية. وتركيا انضمت إلى التحالف البحري. ومضيق هرمز مهم جداً ومعه أيضاً باب المندب الواقع في البحر الأحمر. فهو مدخل إلى قناة السويس وأوروبا. وللأوروبيين مصلحة حقيقية في المضيق، ولكن بالنسبة إليهم باب المندب مهم أيضاً. ما نراه هو أمران متوازيان. الصراع في اليمن متصل بالصراع مع إيران، ولكن لا شبه بين الصراعين، أو بالأحرى ليسا واحداً. فالحوثيون حلفاء لإيران ولكن لهم مصالحهم الخاصة التي قد تتوافق أو لا مع مصالح إيران. وقد شاهدنا في الأسابيع الأخيرة عدداً من الأحداث أدت إلى قصف مطار صنعاء، وردّ الحوثيون على ذلك، ومن ثم ردّ السعوديون على الرد. لقد رأى الحوثيون فرصةً ما فاستغلوها، علماً أن السعودية أكثر عُرضة للاستفزاز والتحدّي بسبب حرب إيران. فقد رأى الحوثيون فرصةً للضغط عليها ومحاولة اجتذابها إلى صفقة تكون مربحة لهم. وردُّ السعوديين على ذلك عسكري".
ماذا عن ميزان القوى بين السعودية والإمارات المتنافستين على القيادة الإقليمية؟ دول الخليج متحدة أساساً، وفق الباحث الآسيوي نفسه، لناحية عدم دفع الحرب إلى التدهور، ومنفتحة على تسوية متفاوض عليها للحرب الإيرانية. لكن لديها مصالح مختلفة. العُمانيون لم ينضموا إلى التحالف العسكري ضد إيران لأنهم وسطاء، رغم مهاجمة إيران لهم أحياناً. وهم يريدون الثبات على هذا الموقف الحيادي. والإمارات العربية المتحدة اتخذت منحىً مختلفاً، إذ عمّقت علاقتها مع الولايات المتحدة، ولا سيما الدفاعية، كما مع إسرائيل، وحاولت التواصل أيضاً مع إيران بدليل عودة تبادل البضائع بينها، أي بين الإمارات وإيران المحاصرة. ونحو 20 ألف إيراني مقيمين في دبي كانوا مُنعوا من العودة إليها عند بدء الحرب، عادوا أخيراً. وأفاد ذلك الإمارات، إذ جنّبها ضربات إيرانية استهدفت أخيراً البحرين والكويت والأردن.
نبض