المعضلة

كتاب النهار 14-08-2026 | 05:17

المعضلة

حاجة لبنان الحقيقية على مشارف المرحلة الجديدة التي سيدخلها مع المنطقة برمّتها، هي إلى قلب المعادلة لا تأبيدها وتثبيتها، وإلى تغيير اللعبة برمّتها لا تعديل بعض قواعدها أو موازينها، وإلى إعادة الاعتبار إلى الدستور ومنطقه
المعضلة
صورة التقطت من قرية شقرا جنوب لبنان تُظهر الدمار في قرية حولا الحدودية، وخلفها موقع "العباد الإسرائيلي" في 11 آب/ أغسطس 2026 (أ ف ب).
Smaller Bigger

معضلة النظام اللبناني الذي يعتمد نهج تحييد الدستور وتشويه أحكامه وتجاوزه عند الاختلاف أو الاتفاق بين القوى الحاكمة، مرشحة للاستمرار خلال المرحلة الانتقالية الحالية وإلى ما بعدها، بسبب اقتناع كثيرين في الداخل، بمن في ذلك معارضو تلك القوى من داخل طوائفها ورافعو شعارات التغيير، بأن الصراع من داخل هذا النظام على الحصص أفضل من الانقلاب عليه أو العمل على الإطاحة به.

 

سطحية الفهم الخارجي للشأن اللبناني وسهولة التعاطي في الشأن اللبناني من خارج أية أصول وأعراف ديبلوماسية، تزيد سياسات ذلك الخارج سطحيّةً، وتؤدّي إلى الخروج بطروحات تناسب مصالح الداخل وتقوم على منطق قضاء الحاجة أي على حلّ المسائل الآنية وفق النظرة الراهنة لها من دون التفكير بالمدى الزمني الأوسع عودةً إلى الماضي أو تبصّرًا للمستقبل. من هنا مثلًا ترى بعض الدول المهتمة اليوم بالملف اللبناني وفي إطار مساعيها الحميدة لحلّ مسألة السلاح خارج الدولة، تصوغ اقتراحات تنطوي على قصر نظر مخيف وعلى استسهال الحلول السريعة وإن كانت تدميرية بطبيعتها ونتائجها على لبنان على المدى المتوسط أو الطويل.

 

من هذه الطروحات، إيجاد صيغة للإبقاء على الترسانة العائدة للحزب عبر "تشريعها" وإقرار نصوص قانونية أو دستورية تسبغ عليها طابع الشرعية عبر القول في النص بأن الإمرة على السلاح هي للدولة والإقرار لفظيّاً للدولة بقرار الحرب والسلم، وهذا يبقي بطبيعة الحال على القرار الفعلي حيث هو خارج لبنان وليس فقط خارج مؤسساته الدستورية.

 

ومن الطروحات المتداولة أخيراً القول بأنه مقابل التخلّي عن السلاح الذي يعتبره البعض عنصر القوّة الذي تمتلكه الطائفة الشيعية، كما يقول هؤلاء، ينبغي أن تُعطى تلك الطائفة الكريمة مكاسب أو ضمانات في النظام العفن والمهترئ نفسه عبر تعديلات دستورية تبتكر منصباً دستورياً جديداً يخصَّص للبنانيين الشيعة كنائب رئيس الجمهورية، أو تكريس مناصب بارزة كوزارة المال لهم، أو إعطائهم مناصب كبيرة ذات دور عسكري أي قيادة الجيش اللبناني.

 

حين تستمع إلى الجهات الخارجية التي تحاول تسويق مثل هذه الأفكار أو تقوم بجسّ النبض واختبار المقبولية وردود الفعل، تلمس مزيجاً من الجديّة المتلازمة مع سطحيّة واضحة، ولكن الجدّية في الطرح تلزمك بالردّ المناسب وبما يليق من خارج منطق ردّ الفعل المعتاد في المشهد السياسي اللبناني الزجلّي الطابع (المقصود هنا الانقسام والاستقطاب حول ثنائية متناقضة بين الطرح ونقيضه وسهولة التصنيف بين النقيضين في القوى السياسية والنخب المؤثرة في الرأي العام بما يشبه الفرق الزجلية المعروفة بالتنافس والتباري المنبرّي، وليس التقليل من شأن الزجل).

 

الردّ هو أن حاجة لبنان الحقيقية على مشارف المرحلة الجديدة التي سيدخلها مع المنطقة برمّتها، هي إلى قلب المعادلة لا تأبيدها وتثبيتها، وإلى تغيير اللعبة برمّتها لا تعديل بعض قواعدها أو موازينها، وإلى إعادة الاعتبار إلى الدستور ومنطقه لا إلى تعميق منطق الإطاحة به. وهذا يكون عبر نزع الفكرة الطائفية من إدارة الحكم وعبر دعوة الأحزاب الدينية والطائفية إلى المبادرة إلى حلّ نفسها أو الاندماج في ما بينها وتكوين قوى سياسية حقيقية.

 

الردّ أيضاً، من منطلق المعرفة بحقيقة الرأي العام الغالب في الوسط الشيعي، بأن هؤلاء المواطنين اللبنانيين المنتمون إلى الطائفة الشيعية، يشكلون أكثرية غالبة من غير الطائفيين كما يثبته التاريخ القريب والحاضر المعيش. ومن الظلم لهم أولاً قبل اللبنانيين الآخرين الذين يشاركونهم التوق إلى الدولة المدنية، أن تطاح آمالهم وطموحاتهم ببناء تلك الدولة بذريعة حمايتهم أو تحقيق مكاسب لن تكون لهم بل لأمراء الحرب القابعين على صدورهم.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

دوليات 8/11/2026 10:21:00 PM
حذّر فرانك هوغربيتس من زلزال قوي محتمل في منطقة فرانتشا برومانيا بقوة قد تتراوح بين 7 و7.9 درجات
لبنان 8/13/2026 10:26:00 AM
"أعتذرُ يا أهالي الشهداء، يا من قدّمتم للوطن فلذاتِ الأكباد"