تصعيد الحوثي: رسالة باب المندب إلى هرمز

كتاب النهار 13-08-2026 | 04:45
تصعيد الحوثي: رسالة باب المندب إلى هرمز

ستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت هجمات الحوثي مجرد تعبير عن قوة مستمرة، أم بداية مرحلة لا تبقي من نفوذهم إلا الطقوس العسكرية...

تصعيد الحوثي: رسالة باب المندب إلى هرمز
قوارب وسفن حاويات راسية بالقرب من مضيق باب المندب قبالة سواحل اليمن في خليج عدن، في 6 أغسطس 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يتخذ تصعيد جماعة الحوثي في اليمن أبعاداً تتجاوز حدود الهدنة الهشة منذ عام 2022. وسواء في ما يطال الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أو ما يطال الداخل اليمني، فإن في التوقيت ما لا يبتعد عن الصراع الأميركي - الإيراني.

ما يبدو هجمات عسكرية متتالية قد يخفي حسابات أعمق من مجرد ردّ على قصف مدرج مطار صنعاء في 13 تموز/يوليو الماضي، حين منعت الحكومة اليمنية المدعومة من الرياض هبوط طائرة إيرانية، فردّ الحوثيون بقصف مطار أبها وإعلان حصار بحري على السعودية.

في الأيام الأخيرة، توالت موجات الصواريخ الباليستية والمسيرات على ميناء المخا وأحياء سكنية ومحطات كهرباء، ثم على معسكرات في مأرب وحضرموت، وأطراف بيحان في شبوة، وصولاً إلى استهداف سفينة مدنية في باب المندب أسفر عن مقتل ثلاثة من طاقمها. قتل مدنيون وعسكريون بالعشرات، وأصيبت مصفاة أرامكو في جازان بحريق محدود، فيما ردت القوات الحكومية بقصف مدفعي ومسيّرات، ورفعت وزارة الدفاع اليمنية جاهزيتها.

الأمر جلل ومقلق إلى درجة أن المبعوث الأممي هانس غروندبرغ حذر من الأخطار التي تهدد الهدنة، داعياً إلى ضبط النفس. والأمر جلل دفع رئيس مجلس القيادة اليمني رشاد العليمي إلى الوعد بأن الهجمات لن تمر دون عواقب.

قد تسهل قراءة التصعيد كمحاولة حوثية لصرف الأنظار عن أزماتها الداخلية الخانقة، لجهة التقارير عن انقطاع الرواتب، وتفاقم الجوع، وتنامي السخط في مناطق سيطرتها. تعيد الجماعة عسكرة المجتمع وتجنّد المزيد، ساعية إلى انتزاع مكاسب من موارد مأرب النفطية والغازية، وفرض معادلات جديدة بعد تعثر البنود الاقتصادية لهدنة 2022.

لكن السياق المحليّ لا ينفصل عن السياق الإقليمي. توظف الجماعة موقعها كورقة ضغط ضمن محور الممانعة، منسّقة هجماتها مع توترات مضيق هرمز، لتهدد باب المندب، ولتؤثر في التوازنات والمفاوضات الجارية.

تستدرج الجماعة أطراف الصراع إلى توسيع دائرة العنف، تعويلاً على تحسين شروطها في أي تسوية يمنية أو إيرانية. يتدافع محللون يمنيون يدعون إلى حرب شاملة ضد الظاهرة الحوثية تنطلق من كل الجبهات، لا من جبهة واحدة كما في السابق، مشيرين إلى تفوق القدرات الحكومية واكتمال امتلاكها المسيرات، مقابل توجس الحوثيين من الحرب البرية وتفضيلهم صراع الجو.

لكن ما يمنع الانزلاق الكامل يكمن في مواقف الأطراف المعنية. تفضل السعودية الردود المحدودة حفاظاً على استقرارها ورؤيتها الاقتصادية، وتدين واشنطن الهجمات وتدعم حرية الملاحة من دون التزام بحرب واسعة، فيما تدعو إيران إلى الحوار رغم الارتباط الوثيق، وتواصل الأمم المتحدة وساطتها.

تتعزز إمكانية تشكل حلف محلي - إقليمي - دولي. تتوحد القوات الحكومية والتشكيلات القبلية على جبهات متعددة، مدعومة سعودياً ودولياً. ويأتي توقيع اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 آب/أغسطس بين السعودية وتركيا وباكستان ليوفر مظلة ردع جماعي، تجعل أي هجوم على إحداها هجوماً على الجميع، ما يحدّ من هامش المناورة الحوثية ويرسم ملامح أمن إقليمي جديد.

يشكل التصعيد تحدياً أمنياً يطال اليمن والسعودية والممرات الدولية. وللتصعيد دوافع يمنية داخلية، وله دوافعه الإقليمية المرتبطة بالصراع مع إيران. بالمقابل، تسجل أعراض حلف عسكري يمني - سعودي دون قرار حرب شاملة. تميل الرياض وواشنطن إلى الاحتواء المحدود لمنع استنزاف تستفيد منه طهران.

ومع ذلك، فقد يكون التصعيد اختباراً للتحالف الثلاثي إذا ما طال السعودية. وفيما تطل طهران وتدلي بدلوها، إلا أن في دعوة وزير الخارجية عباس عراقجي إلى الحوار إشارة إلى دور طهران في توسيع التصعيد أو وقفه، وتلويح بورقة تهدد أمن الرياض وممرات البحر الأحمر.

شيء ما يتغير في حسابات باب المندب يشبه ما يتغير في هرمز. في الحالتين، العامل الأميركي - الإيراني مفصلي. وستكشف الأيام المقبلة ما إذا كانت هجمات الحوثي مجرد تعبير عن قوة مستمرة، أم بداية مرحلة لا تبقي من نفوذهم إلا الطقوس العسكرية والرسائل المرمزة.