الوفد اللبناني الموسّع: إدارة مفاوضات أو استعداد للتطبيع مع إسرائيل؟
طرح توسيع الوفد اللبناني المشارك في الجولة السابعة من المفاوضات مع إسرائيل في روما، نقاط استفهام حول طبيعة المحادثات وجدول أعمالها الذي كان يفترض أن يكون محصوراً في الجانب العسكري المتصل بالانسحاب والمناطق التجريبية ولجان التحقق. لكن الوفد ضمّ، إلى العسكريين، خبراء اقتصاديين وقانونيين وديبلوماسيين، في خطوة عدّها البعض طبيعية نظراً إلى تشعب الملفات المطروحة، فيما رأى فيها آخرون مؤشراً لانتقال المفاوضات من معالجة وقف النار والترتيبات الأمنية إلى البحث في قضايا أكثر حساسية، تتعلق بترسيم الحدود البرية والبحرية وملفات ذات أبعاد اقتصادية وسيادية، تأخذ المفاوضات إلى مسلك سيؤدي حكماً إلى التطبيع.
لا تقدّم
يتسم هذا الموضوع بحساسية بالغة في ظل عدم حصول أيّ تقدم في الملفات السياسية والميدانية، مع استمرار الظروف التي دفعت إلى إطلاق التفاوض. فإسرائيل لا تزال تنفذ عمليات عسكرية في الأراضي اللبنانية، فيما عجزت جولتا يومي الثلثاء والأربعاء عن تحقيق خرق أو تقدم في ملف الانسحاب من النقاط التي يطالب بها لبنان، أو الاتفاق على مناطق تجريبية جديدة، كما أن تنفيذ الالتزامات الأمنية المنصوص عليها في التفاهمات السابقة لا يزال يواجه عراقيل متبادلة. لذلك، يرى منتقدو توسيع الوفد أن الانتقال إلى مناقشة ملفات طويلة الأمد قبل إزالة أسباب التوتر الأساسية يوحي بأن المفاوضات تجاوزت العقبات القائمة، وانتقلت إلى مرحلة جديدة لم تنضج شروطها بعد، وهو عملياً ما تسعى إليه إسرائيل، ولم تخفِه منذ اليوم الأول لإطلاق التفاوض المباشر، إذ جاء على لسان رئيس وزرائها في سياق ترحيبه بالمسار الجديد أنه يأمل تحقيق التعاون الاقتصادي وعلاقات طبيعية بين البلدين.
ويستند هذا الرأي إلى طبيعة الاختصاصات المشاركة. فالخبراء القانونيون هم المرجع في أيّ نقاش يتعلق بالحدود، سواء لجهة تثبيت الخطوط أو تفسير الاتفاقيات الدولية والخرائط والوثائق التاريخية. أما الخبراء الاقتصاديون، فإن وجودهم يفتح الباب أمام التساؤلات عما إذا كانت المفاوضات ستتناول مستقبلاً ملفات تتعلق بالموارد الطبيعية، أو إعادة الإعمار، أو مشاريع اقتصادية مرتبطة بالحدود، أو حتى ترتيبات يمكن أن تنشأ في حال تثبيت الحدود البرية نهائيا. في المقابل، يشير إشراك الديبلوماسيين إلى أن المفاوضات لم تعد ذات طابع عسكري صرف، بل باتت تحمل بعداً سياسياً يتطلب إدارة دقيقة للعلاقة مع الوسطاء والمجتمع الدولي.

بعدٌ سياسي
في المقابل، يرفض مؤيدو هذه المقاربة تحميل تركيبة الوفد أكثر مما تحتمل. ويؤكدون أن أي دولة تدخل مفاوضات بهذا الحجم تحتاج إلى فريق متعدد الاختصاص، لأن الملفات الأمنية لا تنفصل عن الجوانب القانونية والسياسية والاقتصادية. كما أن وجود هؤلاء الخبراء لا يعني حكماً أن لبنان وافق على الانتقال إلى مفاوضات سياسية أو أيّ شكل من أشكال التطبيع، بل يهدف إلى تعزيز القدرة التفاوضية اللبنانية وحماية الحقوق الوطنية إذ طُرحت ملفات تقنية معقدة.
غير أن الجدل يتجاوز البعد التقني إلى البعد السياسي. فلبنان يعيش انقساماً داخلياً حول طبيعة المفاوضات وحدودها، وما إذا كانت تقتصر على تنفيذ تفاهمات وقف النار أو أنها تشكل بداية لمسار أوسع برعاية أميركية وربما دولية، في ظل مطالبة لبنان بانضمام فريق ثالث إلى لجنة التحقق، يتمثل في القوة الدولية من خلال تمديد ولايتها لثلاث سنوات، أو في لجنة تنفيذ اتفاقية الهدنة، ما سيضفي بعداً دولياً لا يقتصر على الراعي الأميركي. وفي ظل هذا الانقسام، تصبح تركيبة الوفد جزءاً من الرسائل السياسية التي يقرأها كل طرف وفق هواجسه وحساباته.
لذلك لا تقف المسألة عند هوية المشاركين في الوفد، بل تتعداها إلى الوجهة التي ستسير فيها المفاوضات نفسها، بين الموقف اللبناني الذي ينظر إليها على أنها الآلية التقنية والخيار الوحيد لتثبيت الأمن وتحقيق السيادة، وإسرائيل التي تراها مدخلاً لإعادة رسم العلاقة مع لبنان عبر ملفات الحدود والاقتصاد، وصولاً إلى تحقيق التطبيع بين البلدين. وبين المقاربتين، يبرز السؤال: هل هذه إدارة للأزمة، أو بداية لمرحلة تفاوضية تتجاوزها نحو ترتيبات أكثر شمولاً، قد يصل لبنان إلى مرحلة لن يكون في منأى عنها؟
نبض