مبررات "حزب الله" المعلنة والمضمرة لمسيّرة علي الطاهر
وعلى هذا الاستنتاج بنى هؤلاء سردية متشعبة فحواها أن الحزب الذي نشأ ونما على قاعدة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي لأجزاء من جنوب لبنان والبقاع الغربي، قد أفقد نفسه هذين الدور والمهمة، منذ أن ارتضى لنفسه أن يصير "قوة احتياط جاهزة لإسناد الآخرين في محور الممانعة"، من إسناد النظام السوري السابق، وهو مكلف، إلى حرب إسناد غزة قبل نحو ثلاث سنوات، وصولا إلى إسناد إيران منذ مطالع شهر آذار الماضي.
وتتمة سردية هذا الفريق أنه بفعل حروب الإسناد المتعاقبة تلك التي أطلقها الحزب، فُرض على لبنان أن يبقى ساحة مفتوحة لصراع الآخرين على أرضه تماهيا مع الواقع المعروف منذ مطالع سبعينيات القرن الماضي، وأن يكون على شعبه أن يدفع الأثمان ويقدم التضحيات، وهي أثمان لم تكن مسبوقة، وتحتاج إلى وقت لحصرها وتقديرها.
لا ريب في أن "مضبطة" الاتهام من خصوم الحزب بحقه جاهزة، كما أن أسانيدها وإثباتاتها حاضرة أكثر من أيّ وقت مضى، وهم بنوا عليها لكي يمضوا قدما في سعيهم لبلوغ هدف صاروا مستعدين للكشف عنه، مفاده أنه آن الأوان لإخراج لبنان من دائرة الصراع التاريخي المكلف واللامتكافئ مع الإسرائيلي. وهذا النهج يفضي إلى نتيجتين: الأولى التحضير لإبطال أيّ مبرر للصراع والعداء مع الإسرائيلي، وهو ما قد يقود لاحقا إلى معاهدة سلام، والثاني إسقاط أيّ شرعية يضفيها الحزب على سلاحه بوصفه سلاح مقاومة للاحتلال.

قراءة نقيضة
في مقابل هذا الطرح الذي وجد حيزا أكبر له في المشهد السياسي، قياسا بالسابق، لدى الحزب قراءة أخرى نقيضة، ما انفك رموزه والذين اعتادوا النطق بلسانه يشهرونها كلما اعتلوا منبراً إعلاميّاً، ولها بطبيعة الحال وجهان، ظاهر ومضمر.
في الظاهر، يقرّ الحزب بجسامة الهجمة الإسرائيلية وما خلّفته على الجنوب والضاحية الجنوبية ولبنان عموما، لكنه يسجل اعتراضه على فرضية أن السبيل لوقف هذه الهجمة هو الإصرار على نهج الديبلوماسية والتفاوض المباشر مع الإسرائيلي للنزول عند شروطه ومطالبه من موقع المستسلم، مقرونا بالتخلي عما يسميه الحزب "عنصر القوة" الذي تشكل بندقيته حجر الرحى فيها. ويرى أيضا أن هذا التراخي من السلطة هو من يغري الإسرائيلي والأميركي ليُصعّدا وتيرة الضغوط على لبنان، والتي تحمل في طياتها خطر تفجير التناقضات الداخلية.
وفي المضمر، يعتبر الحزب أن ما أقدم عليه فجر الثاني من آذار الماضي، ثم مسيّرة أول من أمس التي استهدفت جرافة إسرائيلية في محيط علي الطاهر (لم يتبنَّ الحزب لإطلاقها رسميّاً) لم يكونا فحسب لإسناد إيران بقدر ما هما "استغلال مشروع" للحظة الاحتدام الإقليمي بغية حجز مقعد للبنان على طاولة المفاوضات التي ستنصب حتما من موقع أقوى.

الحزب لم يخطئ؟
يجد الحزب أنه لم يرتكب خطأ أو يقدم على مغامرة عندما سارع إلى الالتحاق بمعركة إيران مع الولايات المتحدة وإسرائيل في آذار الماضي، ثم بمعركتها مع الولايات المتحدة قبل ساعات. ويذكّر في هذا الإطار بأنه في مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية نجح الإصرار الإيراني على إدراج لبنان في 3 مواضع أقرّ الأميركي بموجبها بوجوب أن تلتزم إسرائيل وقف عدوانها على لبنان وتتعهد بالانسحاب من الأراضي اللبنانية، والحزب مصرّ على القول إن وقف النار الهش حاليّاً في لبنان هو نتاج تلك المذكرة حصراً.
ولأن الحزب يعتقد أن المواجهة الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة ستكون هذه المرة محدودة جغرافيا وزمنيا، لذا سارع إلى إطلاق المسيّرة للمرة الأولى منذ أكثر من شهرين، وهي بالنسبة إليه عملية رمزية أراد من خلالها أن يبرهن للإسرائيلي والأميركي معاً أنه لم يفقد زمام المبارة بعد وفق ما يُروّج له خصومه.
نبض