"الاتفاق" صار "ظهراً يُمتطى" لإسقاط الدولة؟
في كل الخيارات المعتمدة من جانب واشنطن هروبٌ من المعضلة الحقيقية التي تعرفها وإنْ لم تعترف بها: العقيدة العسكرية المنفلتة والحروب التوسّعية والمشاكل المسلكية لنتنياهو واعتماده على ائتلافه المتطرّف
بما أن الولايات المتحدة صاغت تلك "الورقة" بين لبنان وإسرائيل وحرصت فيها على مراعاة حساسية بنيامين نتنياهو إزاء كلمة "الانسحاب" في موسمه الانتخابي، فإنها أوقعت ما يسمّى "اتفاق اطار" (او "الاتفاق الإطاري") في محظورَيْ "الاحتلال المديد" و"الحرب المستدامة" اللذين يُفترض أن المفاوضات المباشرة ترمي إلى إنهائهما.
وبما أن الولايات المتحدة وإسرائيل يجمعهما، على رغم ما يقال عن خلافات جدّية أو كاذبة بينهما، توافق دائم ثابت على التخلص من "حزب إيران" اللبناني، ومن سلاحه و"مقاومته"، فقد ركّزتا بحرصٍ واضح في كلٍّ من بنود "الورقة" على "نزع السلاح الكامل والمتحقّق منه"، وعلى دور الجيش اللبناني في هذه المهمة. هذا يعيد المسألة إلى ما كانت عليه قبل الاجتياح والاحتلال والتهجير، بل يعيدها إلى جدل تمكين الجيش ودعم قدراته، وهو ما كانت واشنطن وإسرائيل ولا تزالان تعوّقانه.
وبما أن الجيش الإسرائيلي خلص، قبل أسابيع، إلى أن نزع السلاح يتطلب "احتلال كامل الأراضي اللبنانية"، أي ما هو غير متاح وغير ممكن بأي حال، فإن تلازم الأهداف الأميركية والإسرائيلية زيّن لدونالد ترامب امكان اختصار الطريق فاقترح أو طلب أن تتدخل سوريا لمساعدة الجيش اللبناني في تفكيك البنية العسكرية لـ "الحزب"، وفي ذلك توريط لا تريده دمشق، لأنها لم تفرغ بعد من تطبيع الوضع السوري الجديد.
في كل الخيارات المعتمدة من جانب واشنطن هروبٌ من المعضلة الحقيقية التي تعرفها وإنْ لم تعترف بها: العقيدة العسكرية المنفلتة والحروب التوسّعية والمشاكل المسلكية لنتنياهو واعتماده على ائتلافه المتطرّف... هذه العاهات، المدجّجة بأحدث الأسلحة الأميركية وأكثرها فتكاً، هشّمت مسبقاً أي "حسن نية" يمكن أن تدّعيه الولايات المتحدة، بل وَصَمتها وكونغرسها بالوقوف بدعم نهج "الإبادة" الإسرائيلي وحمايته من أي محاسبة دولية. في غزّة ثم في جنوب لبنان، لا يعني القتل اليومي والتدمير الممنهج والتفجير والتجريف شيئاً آخر غير إبادة البشر والحجر.
في المقلب الآخر، ما الذي يعنيه محمد باقر قاليباف عندما يقول إن "السلام في لبنان غير ممكن إلا عبر إيران". هذا أمر عمليات لـ"الحزب" ولا يختلف بشيء عن أي "التزام" إسرائيلي شكلي بـ"السلام". لا يتطلّع المفاوض الإيراني إلى سلام مع أميركا، لكنه يراهن على قدرته على المساومة والضغط على أميركا لتضغط بدورها على إسرائيل، متجاهلاً أن واشنطن لا تضع الانسحاب الإسرائيلي من لبنان بين أولوياتها، وأنها تبنّت "الاتفاق الإطاري" بكل ما يتضمّنه من رذل لـ "حزب إيران" وسعي إلى إخراج إيران من لبنان. لكن طهران، التي تستقوي الآن بالاحتلال الإسرائيلي وتعتبره مسوّغاً متجدّداً لوجود "الحزب" ونشاطه، تزداد ابتعاداً عن الدولة اللبنانية وتعزيزاً لـ "الحزب" كبديل من الدولة. والأسوأ أن ليس لديها سوى خيارين: اشعال "حرب أهلية" لإنقاذ "الحزب" وسلاحه، وفرض سنين مديدة من "المقاومة" للحصول على انسحاب إسرائيلي.
لا معنى للتنازع على مَن له "الفضل" في وقف إطلاق النار، لأن هذا الوقف لم يتحقّق فعلاً. وهناك فارق بين مَن ينتقدون "الاتفاق الإطاري" لأنه ليس "مثالياً"، باعتراف أركان الدولة الذين يفاوضون بأهداف واضحة ولمصلحة لبنان، وبين مَن يريدونه "ظهراً يُمتطى" لإسقاط الدولة نفسها لمصلحة إيران. والأخطر في ما نشهده أن إيران وإسرائيل تريدان استمرار لبنان ساحةً لصراعهما، فهل تكتفي أميركا بإدارة الصراع؟
نبض