أيّ أولويات فرضتها زيارة سلام لسوريا في الأمن والاقتصاد؟
شكّلت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام لسوريا في توقيت دقيق بالنسبة إلى لبنان الذي يخوض مسار التفاوض مع إسرائيل لوقف الحرب، محطة سياسية بارزة نحو استعادة العلاقات اللبنانية-السورية مسارها الطبيعي، إذ حملت إلى جانب البعد السياسي والأمني، ولا سيما في الجانب المتصل بالحدود، بعداً اقتصادياً، وسط محاولات من الجانبين لإعادة تنظيم العلاقة الرسمية على قاعدة "الدولة إلى الدولة"، بعيداً من الأساليب السابقة التي طبعت العلاقة بين الجانبين.
في اللقاءات التي عقدها سلام مع الرئيس السوري أحمد الشرع والمسؤولين السوريين، تناول البحث للمرة الأولى في العمق ملفات حساسة تتصل بضبط الحدود، ومكافحة التهريب، وتنظيم المعابر، وملف اللاجئين السوريين، إضافة إلى التعاون في مجالات الطاقة والنقل والتبادل التجاري. وتم الاتفاق على تفعيل لجان مشتركة وإنشاء مجلس أعمال لبناني-سوري لتسهيل التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
وحملت الزيارة طابعاً عملياً في النقاش لجهة استكمال اتفاق نقل السجناء السوريين من السجون اللبنانية إلى سوريا، وملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية، وهي قضايا بقيت عالقة لعقود، إضافة إلى إعادة تفعيل مشاريع النقل البري والربط السككي وتسهيل حركة الشاحنات والبضائع عبر الحدود.

التحدي الأبرز
دون هذه الملفات عقبات كثيرة يسعى الجانبان إلى تذليلها بما يخدم تعزيز التعاون وتحقيق المصالح المشتركة. ولكن على أهمية الملفات المطروحة وانعكاسها على مستوى العلاقات بين البلدين، يبقى مصير الاتفاقات الثنائية التحدي الأبرز الذي يحدد مصير نجاح تحقيق مصالح مشتركة تفترض استمرار التنسيق ولا سيما في المجالين الأمني والاقتصادي. ويجهد لبنان منذ سقوط النظام السابق، لإجراء مراجعة شاملة لهذه الاتفاقات وتحديثها بما ينسجم مع المتغيرات السياسية الجديدة. وقد أشار سلام إلى تشكيل لجنة عليا مشتركة تتولى إعادة تقييم الاتفاقات السابقة وتفعيل ما يخدم مصلحة البلدين فقط. وينطلق لبنان من رغبته في إعادة النظر بهذه الاتفاقات من أنها وُقعت في ظل نظام الوصاية، أي أنها لم تأخذ في الاعتبار مصالح لبنان، وبالتالي لا بد من إعادة تقييم جدواها على البلدين.
بين لبنان وسوريا أكثر من ٤٠ اتفاقاً ومعاهدة لعلها أبرزها معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق الموقعة في دمشق عام ١٩٩١، وقد انبثق منها نحو ١٤٠ اتفاقية قطاعية، واتفاقية الدفاع والأمن الموقعة في شتوره بعد أشهر قليلة من المعاهدة، استكمالاً لها، واتفاقية التعاون والتنسيق الاقتصادي الموقعة عام ١٩٩٣، وشملت المجالات الاقتصادية التي تهدف إلى تعزيز التبادل التجاري وتسهيله وصولاً إلى التكامل الاقتصادي، والسوق المشتركة، من خلال حرية انتقال الأشخاص والبضائع وحرية الإقامة والعمل وممارسة النشاط الاقتصادي وحرية انتقال الرساميل وتنسيق السياسات الزراعية والصناعية والسياحية، وحرية انتقال الرساميل بما يضمن حرية التجارة والاستثمار. وتناولت تلك الاتفاقات والبروتوكولات التبادل التجاري، الصناعة، الاقتصاد، الزراعة، النقل الجوي والبري والبحري، تقاسم المياه، الاتصالات، البريد، النفط والغاز، العمل والسياحة والاستثمار.
كذلك تم انشاء المجلس الأعلى اللبناني-السوري الذي نيطت به صلاحية متابعة تطبيق الاتفاقات وتعزيز العلاقات بين البلدين. ومن أولى بوادر التغير في العلاقة، تعليق أعمال هذا المجلس العام الماضي ليعود تنظيم العلاقة إلى المسار الديبلوماسي الطبيعي.
يشكو لبنان عدم التوازن في هذه الاتفاقات، مثل الإجراءات التجارية التي كانت تُلزمه شروطا غير متكافئة حيال مرور البضائع اللبنانية عبر الأراضي السورية ورسوم الترانزيت، فضلاً عن ملفات الطاقة والربط البري التي كانت تُدار وفق مصلحة النظام السوري السابق، أو اتفاقية توزيع مياه نهر العاصي مثلاً التي أعطت لبنان حصة ٢٢ في المئة، وهي أقل مما يمنحه إياه القانون الدولي، على الرغم ان لبنان هو بلد المنبع.
صحيح أن جزءاً كبيراً من الاتفاقات والبروتوكولات لم ينفذ في شكل كامل بسبب رفض لبنان السير بها، إلا أن هناك إجماعاً من الجانبين على ضرورة إعادة النظر فيها، تحديثاً أو تعديلاً أو ربما إلغاء، تمهيداً لتوقيع اتفاقات جديدة تراعي مصالح البلدين، كما حصل في شباط الماضي، حيث وقعّ البلدان اتفاقية لنقل المحكومين من بلد صدور الحكم إلى بلد جنسية المحكوم، في خطوة تعبد الطريق أمام معالجة ملف الموقوفين، وتطرح على الطاولة الاتفاقيات التي تحتاج إلى مراجعة.
وشكلت زيارة سلام لدمشق ومحادثاته مع الشرع مناسبة للاتفاق على إطلاق آلية جديدة لدرس الاتفاقيات والبحث في المطارح القابلة للتعديل أو التحديث، بما يرفع الغبن عن لبنان ويحقق التوازن. وقد اتفق على تشكيل لجان وزارية وتقنية لهذه الغاية، من المرتقب أن تبدأ أعمالها قريباً.
وكان للقائم بالأعمال السوري في بيروت أياد الهزاع زيارة للسرايا حيث بحث مع رئيس الحكومة في الخطوات العملية لمتابعة نتائج زيارة الأخير لدمشق، بما في ذلك طرح الاتفاقات القابلة للتعديل. ويسعى لبنان وفق مصادر وزارية شاركت في الزيارة إلى أن تعاد صياغة معاهدة الأخوة والتعاون الموقعة قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف عقد، على نحو يزيل الغبن ويعيد التوازن، انطلاقاً من أن إلغاء أي معاهدة أو اتفاقية ملحقة أو لاحقة يحتاج إلى قرار سياسي مشترك من البلدين.
وفي الانتظار، يركز الجانبان اليوم على الأولويات التي تهمهما، وأبرزها معالجة المعوقات التي برزت في مرحلة الصدام مع النظام السابق، إن في ملف الحدود وترسيمها وضبط التهريب، أو في ملف الموقوفين الذي يشكل أولوية قصوى بالنسبة إلى الشرع، أو النازحين أو إعادة تنظيم التبادل التجاري وحركة الترانزيت عبر الأراضي السورية على نحو يخفف الضغط على لبنان ويسهل تصدير الإنتاج اللبناني إلى الأسواق العربية، على أن يستكمل التحضير لتنفيذ الاتفاق الثلاثي الذي وقع اخيرا في عمان في شأن الربط الكهربائي.
لذلك، يمكن القول إن المرحلة المقبلة لن تشهد إلغاءً شاملاً للاتفاقات اللبنانية-السورية، بل إعادة صياغة للعلاقة على أسس أكثر توازناً ووضوحاً، مع محاولة تحويل التعاون من إطار سياسي وضع لحماية نفوذ مجموعات في كلا البلدين إلى شراكة اقتصادية ومؤسساتية أكثر استقراراً تتعامل مع التحديات على اساس الندية.
نبض