ما بعد فائض القوة: الشيعة في لبنان أمام فرصة العودة إلى الدولة

كتاب النهار 05-05-2026 | 13:21

ما بعد فائض القوة: الشيعة في لبنان أمام فرصة العودة إلى الدولة

السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
ما بعد فائض القوة: الشيعة في لبنان أمام فرصة العودة إلى الدولة
مدرعة تابعة لـ"اليونيفيل" تمر عند مدخل مدينة صور الساحلية جنوبي لبنان في 30 أبريل 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لا يمر المجتمع الشيعي في لبنان اليوم بأزمة سياسية عابرة، بل بلحظة إعادة تعريف عميقة لموقعه داخل الدولة، بعد أن اهتزت المعادلة التي قام عليها نفوذ "حزب الله" لعقود طويلة: الحماية، والرعاية، واحتكار السردية. فالحزب الذي بنى شرعيته على وعد المقاومة، وقدرته على توفير الأمن والخدمات، وإقناع بيئته بأن كلفة السلاح أقل من كلفة التخلي عنه، يجد نفسه اليوم أمام اختبار لم يعد عسكرياً فقط، بل اجتماعياً ونفسياً وسياسياً أيضاً.

ولا تبدأ هذه اللحظة من حرب 2024 وحدها، بل من زمن بعيد. فالشيعة في لبنان خرجوا من هامش الدولة بعد الاستقلال، حين وضعتهم معادلة الميثاق الوطني لعام 1943 والإحصاء السكاني عام 1932 في مرتبة ثالثة داخل النظام، وفي وقت كان فيه الجنوب والبقاع خارج التنمية الفعلية. ثم جاء موسى الصدر عام 1959 ليبدأ في تحوّيل التشيع اللبناني من هوية محلية مشتتة إلى قضية اجتماعية ووطنية عنوانها الحرمان والكرامة والحقوق. وكان مشروعه، في جوهره، محاولة إدماج لا انفصال؛ إدماج الشيعة في الدولة لا إخراجهم منها، ورفع موقعهم عبر المواطنة لا عبر بناء قوة موازية.

 

منظومة متكاملة

لكن الحرب الأهلية، واختفاء الصدر، والثورة الإيرانية، والاجتياح الإسرائيلي، فتحت جميعها مساراً آخر. وهنا صعد "حزب الله" لا بوصفه تنظيماً عسكرياً فحسب، بل منظومة متكاملة لإعادة تشكيل الهوية. فقد ربط الحزب المظلومية الدينية بالتهديد السياسي، والمقاومة بالسلاح، والولاء بالحماية، ثم أضاف إلى ذلك شبكة خدمات وتعليم ورعاية واقتصاد بديل. من المدارس إلى الكشافة ومن المجالس الحسينية إلى القرض الحسن ومن التعويضات إلى رواتب المقاتلين والعاملين في مؤسساته، فنشأت علاقة عميقة بين الحزب وبيئته: فهو يحمي ويخدم ويعوض، وهي تمنحه الثقة والغطاء وتقبل الكلفة.

وقد بلغت هذه المعادلة ذروتها بعد انسحاب إسرائيل من الجنوب عام 2000، ثم بعد حرب تموز/ يوليو 2006. حيث شعر جزء واسع من الشيعة بأنهم انتقلوا من موقع الطائفة المهمشة إلى موقع الجماعة المهُيمنة، غير أن هذا الفائض نفسه بدأ يخلق قلقاً لبنانياً واسعاً. فأحداث 7 أيار/ مايو 2008 كانت لحظة فاصلة؛ إذ بدا أن السلاح الذي شرعن نفسه بوصفه أداة مقاومة ضد إسرائيل قد صار قادراً على الدخول في السياسة الداخلية بالقوة. وعندها بدأ السؤال الأخلاقي الأول داخل بعض البيئة الشيعية نفسها: أين تنتهي المقاومة وأين تبدأ الهيمنة؟

ثم جاء التدخل في سوريا ليكشف بعداً أعمق في مشروع الحزب. فلم تعد المقاومة محصورة بالحدود اللبنانية ولا بمواجهة إسرائيل، لأنها تأسست بالأصل كجزء من مشروع إيران التوسعي، وقد نجح الحزب في تبرير ذلك لأنصاره بخطاب حماية العتبات والمعركة الوجودية، ولكنه دفع في المقابل كلفة أخلاقية وسياسية عالية. فالصراع السوري كان قد نقل الحزب من صورة المدافع إلى صورة الفاعل العابر للحدود، وعمّق الانقسام بين من يرى في هذا الدور حماية استباقية للطائفة، ومن يراه تورطاً جرّ على الشيعة خاصة واللبنانيين عامة أثماناً لا يملكون قرارها.

 

الأزمة لم تختف

وفي 17 تشرين 2019 ظهر هذا التوتر إلى السطح، ولو جزئياً. حين خرج شباب شيعة في مناطق نفوذ الحزب و"حركة أمل" احتجاجاً على نظام سياسي كان الحزب جزءاً منه. صحيح أن الانهيار الاقتصادي اللاحق أعاد تعزيز دور الحزب الرعائي، خصوصاً مع استمرار مؤسساته وقدرته النسبية على الدفع والخدمة في مقابل انهيار الدولة والمصارف، لكن الأزمة لم تختف. وإنما تراجعت الأصوات العلنية، وبقيت الأسئلة الداخلية.

ثم جاءت حرب الإسناد بعد 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023 لتضع هذه السردية أمام اختبار علني غير مسبوق. فطوال سنوات، رُوّجت فكرة وحدة الساحات والردع الإقليمي، لكن أداء الحزب جاء مضبوطاً تحت سقف الحرب الشاملة. وكان ذلك في عيون أنصاره حكمة وإدارة محسوبة للصراع، أما في عيون خصومه فقد كان انكشافاً لحجم القوة الحقيقي. وبين القراءتين نشأ سؤال مكتوم داخل البيئة الشيعية: ما الكلفة؟ وما السقف؟ ومن يقرر الحرب والسلم؟

غير أن عام 2024 كان لحظة الصدمة الكبرى: الاغتيالات، وتفجيرات أجهزة الاتصال، واستهداف البنية القيادية والعملياتية، ثم مقتل حسن نصر الله، لم تكن مجرد خسائر عسكرية. وإنما كانت ضربات في صميم الصورة التي بناها الحزب عن نفسه: التنظيم المحصن، القيادة الملهمة، القدرة على الردع، والأمان داخل البيئة. وحين جاء وقف إطلاق النار، بدا الاحتفال بالنصر أقرب إلى آلية دفاع نفسي منه إلى إعلان إنجاز ميداني. فقد تحولت مجرد النجاة إلى انتصار، ومجرد البقاء إلى دليل شرعية، لكن كل ذلك لم يكن كافياً لإخفاء حجم التحول.

والأخطر من ذلك أن الحزب لم يُختبر بعد الحرب في قدراته القتالية فحسب، بل في الرعاية التي اهتزت كذلك. فالبيئة التي قبلت الكلفة كانت تنتظر تعويضاً وترميماً وحماية اجتماعية. وحين تتراجع القدرة على التعويض، يبدأ العقد الضمني بين الحزب وحاضنته بالاهتزاز. فالسؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟

وهنا يعود الانقسام الشيعي القديم بصيغة جديدة. حركة أمل، التي بقيت أقرب إلى السياسة اللبنانية التقليدية وإرث موسى الصدر، تبدو اليوم أكثر حضوراً بوصفها قناة تواصل مع الدولة والخارج، بينما يواجه "حزب الله" عبء مشروع إقليمي صار أكثر كلفة وأقل قدرة على إنتاج الطمأنينة. وهذا لا يعني بالضرورة تفكك الثنائية الشيعية، لكنه يعني إعادة توزيع الأدوار داخلها، وربما بعودة المشروع الوطني للطائفة مقابل تراجع المشروع الايدلوجي.

قد يرى بعض أبناء البيئة الشيعية أن التراجع عن منطق السلاح تخلٍّ عن الضمانة الوحيدة في بلد مضطرب. وهذه مخاوف مفهومة إذا قُرئت في ضوء تاريخ طويل من التهميش والحروب والاعتداءات الإسرائيلية. لكن التجربة أثبتت أن السلاح خارج الدولة لا يلغي الخوف، بل يعيد إنتاجه. فقد يحمي في لحظة، ثم يعزل في لحظة أخرى. قد يمنح شعوراً بالقوة، لكنه يضع الجماعة كلها في مواجهة نتائج كارثية لقرار لا تشارك في صناعته فعلياً.

لذلك تبدو الأولوية اليوم واضحة: لا حزب فوق الدولة، ولا طائفة أكبر من الوطن، ولا مقاومة بلا قرار وطني جامع. فاليوم يحتاج الشيعة، كما يحتاج لبنان كله، إلى انتقال شجاع من منطق الحاضنة إلى منطق المواطنة، ومن منطق حماية التنظيم إلى منطق حماية الدستور، ومن اقتصاد الخدمات الحزبية إلى عدالة الدولة الوطنية، ومن الذاكرة الطائفية إلى عقد وطني جديد يضمن الحقوق بلا سلاح مواز.

إن المستقبل الشيعي في لبنان لن يُحمى بالانغلاق خلف حزب متعب متهالك، ولا بتجديد خطاب المظلومية وحده، ولا بتقديم مجرد البقاء على أنه انتصار. بل سيُحمى حين يصبح الشيعة جزءاً كاملاً من الدولة لا بديلاً عنها، وحين يكون أمن الجنوب قراراً وطنياً لا ورقة إقليمية، وحين تُستعاد السياسة من العسكر، وتستعاد المؤسسات من الشبكات، وتنقى الوطنية من الطائفية. فالسؤال لم يعد: كيف يحافظ "حزب الله" على قوته؟ بل كيف يحافظ الشيعة على موقعهم في وطن لا يستطيع أن ينهض ما دامت فيه طائفة تعيش خارج الدولة، وطوائف أخرى تخاف منها أو تخاف عليها.

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 5/5/2026 1:21:00 PM
السؤال لم يعد: هل يستطيع الحزب أن يقاتل؟ بل: هل يستطيع أن يحمي الحياة اليومية لمن دفعوا ثمن قتاله؟
اقتصاد وأعمال 5/5/2026 9:43:00 AM
تشهد أسعار البنزين في لبنان ارتفاعاً مستمراً، مما يثير القلق حول تأثير ذلك على تكاليف المعيشة.
لبنان 5/5/2026 11:28:00 AM
تسري هذه التعديلات اعتباراً من1\5\2026 في خطوةٍ تندرج ضمن خطة أوسع لتحديث نظام الضمان وتعزيز دوره الاجتماعي
لبنان 5/5/2026 6:00:00 PM
هل يكون الحكم الذي قد يصدر الأربعاء نهاية لملف طال انتظاره، أم بداية لمرحلة جديدة من الجدل؟ ماذا يقول الوكيل القانوني للفنان فضل شاكر والشيخ أحمد الأسير محمد صبلوح لـ”النهار” قبل أقل من 24 ساعة من هذا الحكم؟