من بين ركام الحجر والبشر في مشغرة... "البلد (مش) ماشي"
في الحي الذي تطأه قدماي، قبل ان أبلغ المنزل، يختلط الحزن بالغضب، الغضب الذي يتوزع باتجاهات عدة. هنا مرتع الطفولة، هنا الذكريات الحلوة، هنا الأرض، الوجود، التراث. والأهم هنا الناس، هنا الوجوه الحزينة، هنا العيون الحائرة، القلقة. هنا الدموع تذرف. صحيح ان الحضور الجماعي، ولو على الأنقاض، والتضامن المجتمعي الماثل بوضوح في مساعدة الغير، يعزيان بعض الشيء، ويحضّان على توليد تفاؤل مشوب بالحذر، الا ان الأسئلة المعقدة تشغل البال والعقل. هي الأسئلة الوجودية النابعة من تجارب سيئة على كل المستويات. هي اسئلة الما بعد، اي المستقبل. ولعلّ المستقبل هو العقدة الأكبر، لأن الماضي مضى.
نعمة الذي هاجر الى السنغال ليبني بيتاً جميلاً يمضي فيه صيفه مع العائلة والأهل، سألني ان أرسل له صوراً وفيديو من بيته الذي تهدّم. يتابع عبر وسائل التواصل الاجتماعي ما حدث، بعدما تجنّب ابنه خليل ان يبث له الصور بالمباشر. يعرف تماماً ما حدث. لكن الحنين يدفعه الى طلب المزيد من المشاهدات. تضامنت مع خليل وآثرت منذ اليوم الأول ألا أكون مصدر الصور الكئيبة.
عايدة غاضبة، ونؤيد غضبها، هي ضحية حرب لم تخترها، مثلها مثل كل ضحايا الحروب التي تأخذ الناس بجريرتها. كأنه لا يكفيها ان تسرق الدولة جنى عمرها، وقد أمضت 40 عاماً في التعليم، لتتقاضى راتب تقاعد لا يتجاوز الـولارا. روز، الجارة، تقول ان لا مكان لها بعد بين الجيران، اذ لا تملك الامكانات لإعادة الترميم والعودة الى منزلها. يارا تتراجع عن قرارها الأولي النابع من غضب، بعدم الترميم. أميرة، الجارة الأقرب، لم تقو على زيارة منزلها، بعدما "كسر" التهجير ظهرها، ومنعها الطبيب من الانتقال الى حين. جيسيكا، هاوية التصوير، تنظف عدسة كاميرتها بالدموع، وتخفي وجهها عنا. اما الراهبة الاخت كوليت، التي تدير مدرسة راهبات القلبين الاقدسين، والتي تضررت بشكل كبير، فتقف امام المنازل، وقد اغرورقت عيناها بالدموع. هي من الشوف، لكنها صارت "منّا وفينا"، تشاركنا الافراح والأحزان.
ابلغ منزلي، وكل المشاهد، والتساؤلات تضجّ في رأسي. أتجنّب ردات الفعل الظاهرة. في ذاتي، شيء من السرور لأن أمي رحلت قبل أشهر، ولم تشاهد الخراب في المنزل العائلي. كانت تقيم في بيروت في المدة الأخيرة، لكنها كانت تسكن مشغرة او أن الاخيرة تسكنها. طوني، أخي الصغير بالروح، يسابق الوقت، ينهمك في ازالة الركام، وتجميل المشهد، قبل ان نصل. علّنا لا نصاب باكتئاب. هو الصامد، والسند، وصاحب الهمم.

هي الاطلالة الاولى ما بعد الحرب. صحيح ان العودة في ذاتها "انتصار"، او اي تسمية مشابهة توصل المعنى. لكنها إطلالة حزينة. فيها أمل، ورجاء، وإصرار على اعادة البناء، والترميم، أو أقله في هذه المرحلة، إقفال المنازل، الابواب والشبابيك، بحجارة ونايلون، ريثما تنجلي الأمور، اذ لا يشعر الناس بالاطمئنان كلّي الى مسار الأمور، في بلد يشكل على الدوام، ساحة لحروب الاخرين، وينجرّ ابناؤه الى هذا المنزلق القاتل، والذي يبدو انهم لم يتعلموا منه شيئاَ، علماً ان "التكرار يعلّم الحمار" كما القول الشعبي.
في المنزل، شاهدت الصور المبعثرة على الارض، هي الذكريات الحلوة. عندما كانت العائلة تجتمع هنا. لم أقوَ على التقاط اي منها. تركتها تذهب مع العمال الى النفايات. لديّ منها بعض مما حملته سابقاً. لا اريد أن اركع لالتقاط أي شيء. لن نركع. سنقاوم على طريقة كل واحد منا.
لكن السؤال الصعب عما بعد، ليس في بلدتي فحسب، بل على مستوى البلد كله. للمرة الأولى، اراقب من حولي، هذا الكم من الإحباط، في كل مكان. يرى اللبنانيون انه كلما لاحت فرصة لإعادة النهوض، كلّما وجد من يحبطها، ويخنقها في المهد.
قد يكون ترميم الحجر ممكناً، اذا ما توافرت الأموال، لكن يبقى البشر. من يرمم ما في النفوس. حتى الذين يحتفلون بالنصر، يحتاجون الى علاج. الصحة النفسية للبنانيين ليست بخير، هم يعيشون حالة إنكار. الصحة الوطنية أصعب. وعلاجها معقد اكثر. رحم الله الرئيس رفيق الحريري كان يردد باستمرار "البلد ماشي"، لكن البلد حالياً "مش ماشي"، او كأنه يمشي الى حتفه.
نعتصم بالأمل، أكيد. نحب الحياة، بالتأكيد. لكننا نطلب ما ورد في الآية الانجيلية "أتيت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل". فنحن نطمح الى حياة فضلى، ووطن أفضل.
نبض