هل تصبح أوروبا بلا "واتساب"؟

كتاب النهار 20-04-2026 | 04:12
هل تصبح أوروبا بلا "واتساب"؟
النزعة السيادية الرقمية في القارة تبدو انعكاساً لتوترٍ أكثر عمقاً بين أوروبا وحليفتها التاريخية أميركا. فهذا التحرك يأتي مدفوعاً بمخاوفٍ من سياسات الرئيس دونالد ترامب...
هل تصبح أوروبا بلا "واتساب"؟
تواجه أوروبا تحديات عملية في البحث عن سيادتها الرقمية (أ ف ب)
Smaller Bigger

ربما تكون أوروبا خلال الشهور القادمة على أعتاب "ثورةٍ تحريرية" كبرى من التبعية التكنولوجية الأميركية.

وكغالب "الثورات" في القارة تاريخياً، البداية كانت من فرنسا، حيث قررت السلطات سحب نظام "ويندوز" من إداراتها وتعويضه بنظام "لينكس"، في قرارٍ جاء بعد أشهرٍ من استبدال "مايكروسوفت- تيمز" بمنصة "فيزيو" الفرنسية المبنية على "جيتسي" مفتوحة المصدر. وليست فرنسا وحدها في هذا المسعى، إذ سبقتها منطقة شليسفيغ-هولشتاين الألمانية باستبدال أنظمة "مايكروسوفت" ببدائلٍ مفتوحة المصدر، في طموحٍ للتخلص التدريجي من شركات التكنولوجيا الأميركية بحلول نهاية العقد.

تريد أوروبا استعادة السيطرة على سيادتها الرقمية، تقليل التبعية للتقنيات الأميركية، مع التركيز على حلولٍ مفتوحة المصدر كأساسٍ للاستقلالية. وبحسب الخطوات الحالية تشمل الخطة تسريع الانتقال في المجالات حيوية، مع خريطة طريقٍ متوقعة بحلول خريف العام الحالي. وهي استجابة لنداءات خبراء الأمن الأوروبيون إمن أجل  منع استخدام "واتساب" و"سيغنال" في السياقات الحكومية بسبب الثغرات الأمنية وفقدان السيادة والسيطرة على البيانات.

وفي سياقٍ منفصل، يناقش الاتحاد الأوروبي اقتراحه المثير للجدل بشأن "التحكم في المحادثات"، والذي من شأنه أن يفرض مسحاً جماعياً للاتصالات الخاصة، وهو إجراء قالت شركة "سيغنال" إنه قد يدفعها إلى سحب تطبيقها من الاتحاد الأوروبي بدلاً من إضعاف تشفيرها.

راهناً، يعتمد الاتحاد الأوروبي على قوى خارجية في أكثر من 80% من منتجاته الرقمية وخدماته وبنيته التحتية، وأساساً الولايات المتحدة الأميركية، مما يتطلب عملاً يمتد عقداً كاملاً لمعالجة هذه التبعية. إذ تسيطر "أمازون" و"غوغل" و"مايكروسوفت" على ثلثي احتياجات الحوسبة السحابية الأوروبية. وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2025، اتفقت فرنسا وألمانيا على تحقيق السيادة في أولوياتٍ مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات، مع إطلاق فرقة عملٍ مشتركة لتحقيق ذلك الهدف.

كذلك يدعم قانون الاتحاد الأوروبي لتطوير الحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي، والذي يهدف إلى تمويل مشاريعٍ مثل "يوروستاك"، إنشاء بدائل أوروبية كاملة، بالإضافة إلى برنامج "أوروبا الرقمية" بميزانية 1.3 مليار يورو لتعزيز الأمن السيبراني والهوية الرقمية المشتركة.

شبح ترامب

لكن هذه النزعة السيادية الرقمية في القارة تبدو انعكاساً لتوترٍ أكثر عمقاً بين أوروبا وحليفتها التاريخية أميركا. فهذا التحرك يأتي مدفوعاً بمخاوفٍ من سياسات الرئيس دونالد ترامب، الذي سبق له أن وظّف التبعية التجارية والدفاعية كسلاح، وقد يوظّف التكنولوجيا كسلاحٍ أيضاً، مهدداً بتعطيل الخدمات الرقمية أو قطعها لانتزاع تنازلات، كما فعل سابقاً بعقوباته ضد منتقدين مثل قضاة المحكمة الجنائية الدولية، مما أدى إلى إغلاق الحسابات المصرفية وإنهاء الوصول إلى الخدمات التقنية الأميركية.

ويرى الأوروبيون هذا الخطر واقعياً، مما يعزز الدافع للاستقلالية الاستراتيجية. فضلاً عن التوترات التجارية مع الصين، والهجمات السيبرانية المنسوبة إلى روسيا، والتي تعزز الحاجة إلى سيادةٍ رقمية، مع أن التركيز الأوروبي الأكبر ينصبّ على التهديد الأميركي.

ورغم هذا الطموح، تواجه أوروبا تحدياتٍ عملية في البحث عن سيادتها الرقمية، إذ تهيمن كيانات أميركية مثل "ميتا" و"إنتل" على تطوير نواة "لينكس"، مع قلة الشركات الأوروبية القادرة على تعويض التكنولوجيا الأميركية. ومن الناحية الاقتصادية، يتطلب التحول استثماراتٍ هائلة تصل إلى تريليونات اليورو لإنشاء مراكز بياناتٍ أوروبية، وتطوير برامج أوروبية، كما أن العائد يستغرق زمناً، مع مخاطر تأخيرٍ بسبب الاعتماد على مكونات أميركية حتى في الحلول الأوروبية.

ومن الناحية الثقافية، ربما يصطدم بثقافة التعود على التقنيات الأميركية، بحيث يفضل المستخدمون الواجهات المألوفة رغم مخاطرها، وتخشى الشركات فقدان الإنتاجية أثناء الانتقال. لكن هذا التحول ربما يكون ثورياً في جوهره إلا أنه مسار تحقق من المرجح أن يكون طويل الأمد وتدريجياً، وليس قطيعةً فوريةً.