لحظة الخليج واختبار المؤسسات

كتاب النهار 31-03-2026 | 04:00

لحظة الخليج واختبار المؤسسات

نجاح النموذج الخليجي اقتصادياً وتنموياً ومؤسسياً أزعج سرديات أيديولوجية فشلت في بناء دول حديثة. وحين تتراجع المشاريع في الداخل، تبحث بعض هذه البيئات عن نموذج ناجح تنظر إليه بخصومة أو مرارة.
لحظة الخليج واختبار المؤسسات
أين الجامعة العربية وأين منظمة التعاون الإسلامي من الاعتداءات على دول الخليج؟ (أ ف ب)
Smaller Bigger

وضعت الهجمات الإيرانية على الخليج مؤسسات العمل العربي والإسلامي أمام امتحان مباشر. لم يكن ما جرى مجرد تصعيد سياسي يمكن احتواؤه ببيانات باهتة، بل استهدافاً مباشراً لدول الخليج، مع امتدادات طالت دولاً عربية أخرى مثل الأردن، وتهديداً صريحاً لسلاسل الإمداد والاقتصاد. ومع ذلك ظل الصوت المؤسسي العربي والإسلامي ضعيفاً ومبعثراً ومتأخراً، وكأن الخطر يقع في جغرافيا بعيدة لا تمس المنطقة كلها.

 

اجتماع عاجل

أين الجامعة العربية وأين منظمة التعاون الإسلامي عندما تتعرض دول الخليج لهجوم صريح؟ لم يكن المطلوب جيوشاً ولا تحالفات طارئة، بل الحد الأدنى من التحرك السياسي المنظم، اجتماع عاجل، موقف واضح، وخطاب يضع المسؤولية على المعتدي بلا تردد. وحين تتأخر المنظمات الإقليمية والدولية عن هذا الحد الأدنى، فإنها تفتح المجال أمام روايات تبرر العدوان أو تقلل من خطورته، وتدفع النقاش من إدانة واضحة إلى التباس يخلط بين المعتدي والمعتدى عليه.

ولم يقف الخلل عند ضعف المؤسسات. الأخطر أن هذا الضعف لم يكن صمتاً فقط. في بعض البيئات العربية والإسلامية ظهر تعاطف مع إيران بوصفها طرفاً في مواجهة الغرب وإسرائيل، حتى لو جاء ذلك على حساب مدن خليجية ومنشآت مدنية وبنى تحتية ومعيشة الملايين في الخليج. هنا تظهر أزمة ثقافة قبل أن تظهر أزمة سياسة. هناك من يختزل المنطقة كلها في ثنائية واحدة، ويتعامل مع ما عداها كأنه تفصيل يمكن تجاوزه. وبهذه النظرة يصبح الاعتداء قابلاً للتبرير متى رُفع فوقه شعار القضية الفلسطينية أو المواجهة مع الغرب وإسرائيل. هذا ليس موقفاً أخلاقياً ولا قراءة واقعية، بل تبرير صريح للاعتداء حين ينسجم مع هوى أيديولوجي.

وراء هذا التردد سبب آخر لا يقال كثيراً بصراحة. نجاح النموذج الخليجي اقتصادياً وتنموياً ومؤسسياً أزعج سرديات أيديولوجية فشلت في بناء دول حديثة. وحين تتراجع المشاريع في الداخل، تبحث بعض هذه البيئات عن نموذج ناجح تنظر إليه بخصومة أو مرارة. لذلك لا يُفهم جانب من التردد العربي والإسلامي على أنه عجز فقط، بل أيضاً كمزيج من حسابات ضيقة وانزعاج من نجاح خليجي لا تريد بعض الأطراف الاعتراف به.

ولم يقتصر التأخر على المؤسسات العربية والإسلامية، بل شمل التحرك الدولي أيضاً. حتى الأمم المتحدة احتاجت نحو أسبوعين لتتحرك بقرار 2817 الذي تناول أمن الملاحة وممرات الإمداد عبر مضيق هرمز. هذا التأخر الدولي يكشف تقصير المؤسسات الأقرب إلى الأزمة، لأنها لم تبادر حتى بالحد الأدنى الممكن سياسياً. وعندما تتأخر المؤسسات الإقليمية في وقت كهذا، فإنها لا تفقد مصداقيتها فقط، بل تدفع دولها الأعضاء إلى إعادة ترتيب أولوياتها والتصرف وفق حساباتها المباشرة.

 

المعيار هو الموقف

ومن هذه التجربة خرج الخليج بخلاصة سياسية مباشرة. استقلالية القرار الوطني لم تعد مسألة قابلة للتأجيل، بل ضرورة تحكم طريقة بناء العلاقات وتحديد الشركاء. من يساند في وقت الشدة شريك، ومن يتردد أو يراوغ أو يبرر العدوان سيدفع تكلفة سياسية في مرحلة ما بعد الحرب. الخليج لن يتخلى عن محيطه، لكنه أيضاً لن ينظر إلى العلاقات بالمنطق القديم نفسه. المعيار من الآن فصاعداً هو الموقف، لأن لحظات الاستهداف تكشف حقيقة الشراكات أكثر من أي خطاب.

 

دعوة إلى الوضوح

الاعتداءات على الخليج لا تهدد دولة بعينها، بل تمس الاستقرار العربي في معناه الأوسع. الخليج ليس هامشاً اقتصادياً يمكن الاستهانة به، بل مركز تمويل وفرص عمل واستثمارات وأسواق وطرق طاقة وإمداد ترتبط بها عواصم عربية كثيرة كل يوم. لذلك فإن التردد في إدانة العدوان لا يضر الخليج وحده، بل ينعكس أيضاً على مصالح الدول التي آثرت الصمت أو اكتفت بالمراقبة. ولعل ما يبعث على الأسف أن دولاً استفادت لسنوات من دعم الخليج في أزمات مالية وإنسانية وسياسية لم تستطع في هذه اللحظة أن تعبّر عن موقف سياسي يرقى إلى حجم الاستهداف.

هذه ليست دعوة للقطيعة، بل دعوة إلى الوضوح. بعد هذه الحرب ستُبنى العلاقات على المواقف، ومن يريد دوراً ومكاناً عليه أن يبرهن عليهما عندما تتعرض المنطقة للاستهداف. ومن يصر على التردد سيجد أن الآخرين يرسمون التوازنات من دونه.

 

*كاتب إماراتي