الحرب الإيرانية بعيون أميركية
في الحروب، لا تُقاس الحقيقة بما يُعلن، بل بما يتسرب من بين التصريحات كضوء خافت في غرفة مغلقة. وفي الولايات المتحدة، تبدو الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران كأنها تُروى بصوتين: صوت رسمي واثق، وصدى داخلي متردد، لا يملك الجرأة على التصديق الكامل ولا رفاهية الرفض الصريح.
حين استقال جو كينت، لم تكن الاستقالة مجرد انسحاب فردي من مدير المركز الوطني الأميركي لمكافحة الإرهاب، بل كانت كسراً في إيقاع الرواية. في واشنطن التي اعتادت الانقسام منذ صعود دونالد ترامب، لم يعد الخلاف حدثاً استثنائياً، لكن أن يمتد الشرخ إلى داخل الحزب الجمهوري نفسه، فهذا أشبه بتصدع في جدار ظن أصحابه أنه محكم. وفي توقيت يسبق الانتخابات النصفية، لا تبدو هذه الاستقالة مجرد موقف شخصي، بل إشارة إلى قلق يتشكل داخل البيت الذي يقود الحرب. كينت، في جوهر فعله، لم يعترض فقط على الحرب، بل على سرعتها، على ضبابية أهدافها، وعلى تلك العجلة التي لا تُمهل السؤال أن يكتمل قبل أن يتحول إلى قرار، وفي توقيت حساس يسبق الانتخابات النصفية، لا تبدو هذه التشققات مجرد اختلاف، بل إنذار سياسي مبكر.
تأتي الاستقالة كحجر أُلقي في مياه راكدة، فحرك دوائر أوسع كلجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ التي استدعت مديرة الاستخبارات الوطنية تولسي غابارد ضمن سياق ما سُمي بـ Operation Epic Fury. هناك، طرح السيناتور جون أوسوف السؤال الذي يشبه إبرة في خاصرة الرواية الرسمية: هل كانت إيران تمثل "تهديداً نووياً وشيكاً" قبل الضربات؟
الإجابة المنزلقة سياسياً من غابارد جاءت "إن تحديد التهديد الوشيك هو قرار الرئيس، لا الاستخبارات". فيرد أوسوف كتصحيح بديهي: تقييم التهديد هو جوهر عمل الاستخبارات.
بين الجملتين، يتكشف التوتر: ليس فقط بين سياسي واستخباراتي، بل بين الحقيقة كمعطى، والقرار كإرادة. وهنا، تبدو استقالة كينت وكأنها لم تكن رفضاً للحرب بقدر ما كانت رفضاً لطريقة تعريفها.
أما على مستوى الخطاب، فإن الإدارة الأميركية تبدو كمن يكتب الحرب بجملتين متناقضتين في الصفحة ذاتها. تقول إن الحرب قصيرة، ثم تطلب من الكونغرس تمويلاً بمئات المليارات. تؤكد عدم نيتها للتدخل البري، بينما تتسرب أرقام عن استعداد 2500 جندي للانخراط على الأرض. تعلن تدمير القدرات البحرية الإيرانية، في وقت تتحرك فيه حاملات الطائرات الثقيلة نحو المنطقة: USS Abraham Lincoln، USS Gerald R. Ford، ومعهما الحديث عن USS George H.W. Bush. هذه ليست أدوات حرب قصيرة، بل مفردات حرب تعرف كيف تبدأ… ولا تضمن كيف تنتهي.
في هذا التناقض، تتشكل تلك المنطقة الرمادية التي لا تُمسك بوضوح كامل ولا تُفلت في غموض كامل. هل هو ارتباك؟ أم استراتيجية تشويش مقصودة؟ الفارق بينهما ليس لغوياً، بل استراتيجياً. لأن الارتباك يُضعف الثقة، بينما التشويش قد يُستخدم كأداة حرب. وبين تشويش مبرر… وارتباك مكلف، يبقى الداخل الأميركي الخاسر.
وإذا كانت الحرب تُدار في واشنطن بالكلمات… فإنها تُدفع في الداخل بالأرقام. فعلى رغم أن الولايات المتحدة بعيدة جغرافياً عن ساحة الصراع، فإن الاقتصاد لا يعترف بالمسافات. فالحرب، وإن لم تطرق أبواب الولايات بصواريخها، تدخلها من نوافذ الأسعار. يرتفع النفط، فيرتفع كل شيء بعده، كأن السوق سلسلة واحدة تُشد من طرف الخليج. التضخم يعود كضيف ثقيل، والإنفاق يتراجع، والثقة تتآكل بهدوء. في البورصات، لا تُقاس الخسارة بالأرقام فقط، بل بسرعة تقلبها، وبذلك القلق الذي يجعل المستثمر يفضل الانتظار على المغامرة، كي لا تتحول تجارته إلى مقامرة!
ثم يأتي الكابوس الأكبر المتمثل في الإنفاق العسكري، مئات المليارات التي تسحب من المستقبل لتحرق في الحاضر، وبفضلها يرتفع العجز، وتضغط الميزانية فتلوح في الأفق ضرائب أعلى و إنفاق داخلي أقل، بمعنى مباشر، القرار الذي تتخذه واشنطن خارجياً تسدد فاتورته داخلياً من الولايات كافة. ولا تُحدّث الأميركيين عن هذه المعادلة، فقد سئموا الحروب خاصة تلك المرتبطة بالشرق الأوسط، وهو ما دفع الكثير منهم إلى أن يلجأ إلى تزكية ترامب في صناديق الاقتراع الأخيرة، بوعده لهم أن لا يدخل الحروب!
ومع ذلك، لا تسير كل القطاعات في الاتجاه ذاته. ففي قلب الأزمة، يولد ما يمكن تسميته “اقتصاد الفرصة”. ففي تكساس مثالاً لا حصراً، تنتعش شركات النفط كأن الحرب منحتها رخصة توسع غير مسبوقة. وفي قطاع الدفاع، يتسارع الإيقاع مع صعود تكنولوجيا الحرب الحديثة، وعلى رأسها الطائرات المسيرة. هنا يظهر مشروع Powerus Corporation، المرتبط باستثمارات النجلين (دونالد جونيور وإريك). لكن هذه الأرباح، رغم ضخامتها، لا تتوزع على المجتمع، بل تتركز في دوائر ضيقة، حيث تتحول الحرب من عبء عام إلى فرصة خاصة.
لا يبدو أن الحقيقة غائبة بالكامل، لكنها بالتأكيد ليست كاملة. إنها، كما في كل الحروب، موزعة بين من يملك القرار، ومن يدفع ثمنه، ومن يحاول فقط أن يفهم ما الذي يحدث… قبل أن يصبح جزءاً منه.
وهكذا، يقف المواطن الأميركي في مفترق ثلاث روايات: رواية رسمية تعد بنصر قريب، ورواية اقتصادية تحصي كلفة متصاعدة، ورواية داخلية لا تُقال بصوت عال، لكنها تُحس في تفاصيل الحياة اليومية. وبين الأهداف الأميركية، والحسابات الإسرائيلية، والمقاومة الإيرانية يتشرذم المواطن الأميركي بمخاوفه من يومه وغده ومستقبله، وفي النهاية، لا يخسر الأميركي الحرب حين تُهزم جيوشه، بل حين لا يعرف لماذا خاضها أصلاً.
نبض