إسرائيل "تشتري" الضفة الغربية

كتاب النهار 12-02-2026 | 04:04
إسرائيل "تشتري" الضفة الغربية

يمقت نتنياهو توأم "الضفة والقطاع"، وسيعمل وقومه على أن ما لغزّة لغزّة وما للضفة لإسرائيل؛ أي خطّان لا يلتقيان لقيام فكرة فلسطين ودولتها.

إسرائيل "تشتري" الضفة الغربية
فتيان فلسطينيون وتبدو أمامهم مدينة الخليل في الضفة الغربية في 9 فبراير 2026. (أ ف ب)
Smaller Bigger

تفتح إسرائيل بشكل جدي ملف ضمّ الضفة الغربية. بدأت ذلك في السنوات الأخيرة بشكل موارب. مارست أقصى الضغوط الأمنية والاقتصادية لتحويل المنطقة إلى مجال صعب لعيش الفلسطينيين.

تولّى الاستيطان والمستوطنون جانباً كبيراً من جلافة تلك الضغوط. وتولّت العمليات الأمنية والحواجز القاسية وتقطيع أوصال المنطقة توفير الظروف المستحيلة. جعل ذلك العيش في الضفة، أو عملية الدخول والخروج منها، تمارين طاردة تدفع الناس إلى الهجرة.

تنتقل إسرائيل إلى مستوى هجومي مباشر. تُصدر حكومتها قرارات تنقض قوانين أردنية تمنع بيع الأراضي لليهود، وتُشرّع شراء الإسرائيليين للعقارات من دون وازع قانوني. وفي هذا السعي إيحاء بالعمل على "شراء" الضفة الغربية، وتعويل على ضيق قد يدفع الناس إلى البيع. تعلن إسرائيل في العلن، من خلال سنّ تشريعات جديدة وأخرى سابقة لفرض السيادة الكاملة على المستوطنات، انتهاء اتفاق أوسلو لعام 1993، وانتهاء العمل بخرائط المناطق "أ، ب، ج".

جاءت هذه القرارات مدفوعة من وزيري الدفاع يسرائيل كاتس والمالية بتسلئيل سموتريتش. تضمنت إلغاء القانون الأردني الذي يمنع بيع أراضي الفلسطينيين لليهود، كما تضمنت رفع السرية عن سجلات الأراضي، ونقل صلاحيات ترخيص البناء في التجمع الاستيطاني بمدينة الخليل من البلدية الفلسطينية إلى الإدارة المدنية الإسرائيلية.

ستُحدث هذه القرارات تغييرات عميقة في آليات تسجيل الأراضي وشرائها في الضفة. سيسمح الأمر بالكشف العلني عن أسماء مالكيها وتمكين مشترين إسرائيليين من التواصل المباشر معهم، مما يسهّل عمليات الشراء وتوسيع الاستيطان في أنحاء الضفة الغربية.

تحاول إسرائيل فرض أمر واقع يستفيد من جلبة ما يُعدّ لغزّة وضجيج ما يُعدّ لإيران. تنتهز اللحظة التاريخية النادرة التي وفّرتها عملية "طوفان الأقصى". استدرج ذلك الحدث زعماء العالم للتضامن والإدانة من دون شروط، ونجحت إسرائيل في موسم "مصابها" في استدرار مفرط لعطف الحلفاء وإحراج مفرط للخصوم. ولئن استنفدت إسرائيل تراجيديا الحدث بما ارتكبته من كوارث بعده، فإن حكومة بنيامين نتنياهو تراهن على قبول العالم حاجتها للضفة، في مقابل انتقال غزّة إلى تدبير دولي مقبل.

هي محاولة صادف أنها وقعت قبل ساعات من رحلة نتنياهو إلى واشنطن. بدا أن الرجل، الذي تُعلن منابره حمل "هموم" الخوف من صفقة قد يقبل بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب مع إيران، يتأبط في ملفاته "قضية" الضفة. وصادف أنه بعد الإعلان عن قرارات إسرائيل بساعات، أعلن البيت الأبيض أن الرئيس لم يقبل ولن يقبل ضمّ إسرائيل للضفة. وقبلها بأسابيع، كان قد قال لصحيفة "تايم": "لن يحدث ذلك لأنني أعطيت كلمتي للدول العربية. ولا يمكن فعل ذلك الآن. لقد حظينا بدعم عربي كبير. ستفقد إسرائيل كل دعمها من الولايات المتحدة إذا حدث ذلك".

تبدو "اللحظة الإسرائيلية"، التي فرضت قواعدها على شرق أوسط وعد نتنياهو بتغييره، في خفوت. تعلن واشنطن رفض ترامب فكرة الضمّ وقرارات الحكومة الإسرائيلية الموحية ذلك. تدين لندن وباريس وبروكسل وفضاؤها الأوروبي الواسع وتستنكر وتغلق باب هذه "السيرة". يندد بيان صادر عن ثمانية وزراء خارجية دول عربية وإسلامية بالمحاولة الإسرائيلية. وبدا أن نتنياهو ذهب في رحلة مقايضة تزعم مجاراة قرارات ترامب الإيرانية على مضض، في مقابل اعتماد الرئيس الأميركي خرائط إسرائيل الجديدة.

يكشف الاندفاع الإسرائيلي إلى السطو على الضفة الغربية عن هوس من أن تصيبها الترتيبات الدولية التي أصابت مسار غزّة ومصيرها. حتى إن هناك من يهمس بأن نتنياهو، الذي لم يحب خطة ترامب لغزّة وكره بندها الـ19 الذي يَعِدُ، بشروط، بمسار لقيام دولة فلسطينية، يخشى أن تتمدد مفاعيلها صوب الضفة الغربية. فما الذي يمنع أن تشمل صلاحيات "مجلس السلم" و"قوة الاستقرار الدولية" في القطاع الضفة الغربية؟

يمقت نتنياهو توأم "الضفة والقطاع"، وسيعمل وقومه على أن ما لغزّة لغزّة وما للضفة لإسرائيل؛ أي خطّان لا يلتقيان لقيام فكرة فلسطين ودولتها.