لا رابح من التباين إلا الحوثي

كتاب النهار 06-01-2026 | 04:15

لا رابح من التباين إلا الحوثي

لا تتحمل المنطقة تآكل الثقة بين شريكين يُعوَّل على تنسيقهما في أصعب الملفات. وحين يُعاد الخلاف إلى قنواته الطبيعية تُغلق أبواب التأويل ويضيق هامش من يترقب أي ثغرة. ولا رابح من التباين إلا الحوثي.
لا رابح من التباين إلا الحوثي
حتى في ذروة التباين، لم يتخلَّ الطرفان عن توصيف “الشقيق”.
Smaller Bigger

وسط تطورات متسارعة في جنوب اليمن، قدّمت الإمارات رداً يراعي الشراكة ويحمي أمن الخليج كله، لذلك بدا أقرب إلى منطق الدولة ورصانتها منه إلى انفعال اللحظة. لم تُلاحق الاتهام باتهام، ولم تُعامل السعودية كخصم، بل ثبّتت موقفها بهدوء ووضوح، مؤكدة أنها تحركت ضمن إطار التحالف وبالتنسيق، وأنها ترفض الزج باسمها في خلاف يمني–يمني، وأن أمن السعودية جزء من أمن الخليج كله. ثم ترجمت هذا المنطق عملياً بإعلان إنهاء الوجود العسكري المتبقي بقرارها الكامل وبخيار خفض التصعيد، لتعيد التباين إلى مكانه الطبيعي عبر قنوات التنسيق بين الشركاء لا ساحات التعليق والتأويل، لأن اتساع الخلاف في العلن لا يربح منه أحد بقدر ما يفتح ثغرة يستثمرها الحوثي والتنظيمات المتطرفة.

 

حتى في ذروة التباين، لم يتخلَّ الطرفان عن توصيف “الشقيق”. وهذه ليست كلمة تُقال للتخفيف، بل إشارة إلى أن ما حدث يُراد له أن يبقى خلاف تقدير داخل إطار الشراكة، لا شرخاً في أصلها. ومن هنا يصبح النقاش الحقيقي حول الآلية؛ هل تُدار اختلافات الحلفاء عبر مسارات التنسيق التي بُنيت أصلاً لتجنب سوء الفهم، أم عبر مسارات عامة تضع كل كلمة في ميزان التأويل وتمنح الخصوم فرصة الاستثمار؟

 

لا تملك المنطقة رفاهية تحويل التباين إلى سجال علني. لأن أي ارتباك داخل صف مواجهة الحوثي لا يظل حبيس السياسة، بل يتحول مباشرة إلى مكاسب على الأرض لمن ينتظر. الحوثي لا يحتاج أن ينتصر عسكرياً بقدر ما يحتاج أن تتنازع القوى الأخرى في ما بينها. وكذلك التنظيمات المتطرفة التي تستغل الفراغ وتعرف كيف تعود حين ينشغل الجميع بخصومات جانبية.

 

إن تحوّل الأولوية من مواجهة الحوثي والإرهاب إلى الاشتباك مع القوات المسلحة الجنوبية التي كانت في صلب معركة استعادة المناطق المحررة وتثبيت الأمن فيها أمرٌ بالغ الخطورة. قد تختلف الآراء حول شكل الدولة اليمنية لاحقاً، وقد تتباين القراءات بشأن ترتيبات السلطة، لكن نقل الجهد من الخطر الأكبر إلى صراع داخل البيت نفسه يقود إلى نتيجة يعرفها اليمنيون جيداً، إطالة الأزمة واستنزاف ما تبقى من فرص عودة الحياة وترك الميدان لمن يربح من الانقسام أكثر مما يربح من أي تسوية.

 

الأوضح أن مكافحة الإرهاب في اليمن تُقاس بما جرى على الأرض. الإمارات دخلت هذا الملف حين كان ثمنه مرتفعاً، وخاضت معارك حاسمة ضد تنظيم "القاعدة"، وتحديداً في المكلا عام 2016، وقدّمت نموذجاً عملياً لإدارة الأمن بالتوازي مع الإسناد الإنساني وإعادة بناء المرافق وتثبيت الاستقرار. ثم حين قلّصت حضورها العسكري منذ 2019 كان ذلك قراراً محسوباً يراجع المرحلة ويعيد ترتيب الأدوات. ومع إعلان إنجاز سحب ما تبقى من قواتها، فهي تنهي وجودها العسكري المتبقي بقرارها، وتعيد تموضع دورها ضمن منطق خفض التصعيد وحساب الأثر قبل الحركة.

 

الفراغ الأمني في جنوب اليمن ليس فراغاً في الخرائط، بل فراغ في القدرة على ملاحقة شبكات الإرهاب ومنعها من إعادة التموضع. والولايات المتحدة نفسها تعرف أن مكافحة الإرهاب في اليمن لم تكن ملفاً نظرياً، وأن الشراكة الميدانية مع الإمارات كانت عنصراً حاسماً في منع عودة سيناريوات قاسية شهدها العالم في البحر والبر. من سيملأ هذا الفراغ؟ ومن سيتحمل تكلفة المهمة حين تصبح بلا غطاء تنسيقي واضح؟

 

لهذا تبدو مقاربة الإمارات أكثر واقعية. التهدئة ليست تخلياً عن الموقف، بل إدارة محسوبة تعيد الخلاف إلى مكانه الطبيعي، غرف التنسيق المشتركة لا المنابر الإعلامية. لأن الخلاف إذا استقر في العلن يتحول من نقاش سياسي إلى أزمة ثقة، وأزمة الثقة في ملفات الأمن لا تبقى في حدودها، بل تمتد إلى كل الملفات.

 

الإمارات لا تبحث عن خصومة مع السعودية ولا عن مكسب سياسي على حساب شريك. وتتمسك بأن تبقى البوصلة حيث يجب أن تكون، مواجهة الحوثي والإرهاب، لا تحويل من حمل عبء الميدان إلى طرف يُحمَّل مسؤولية الأزمة. اليمن لا يتحمل جبهة إضافية داخل المعسكر نفسه، ولا تتحمل المنطقة تآكل الثقة بين شريكين يُعوَّل على تنسيقهما في أصعب الملفات. وحين يُعاد الخلاف إلى قنواته الطبيعية تُغلق أبواب التأويل ويضيق هامش من يترقب أي ثغرة. ولا رابح من التباين إلا الحوثي.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

المشرق-العربي 1/7/2026 4:53:00 PM
المسار الذي بدأ في باريس لا ينتمي إلى قوالب "السلام" أو "التطبيع" أو "الترتيبات الأمنية" كما عُرفت سابقاً، بل يندرج ضمن نموذج مختلف لإدارة ما بعد الصراع.
المشرق-العربي 1/8/2026 6:16:00 AM
لا يجري الحديث عن تحالف، بل عن "اتفاقية تنسيق أمني".
المشرق-العربي 1/7/2026 4:41:00 PM
ملف لبنان أصبح في يدي السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى والموفدة مورغان أورتاغوس