.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الضعف البنيوي الذي تعاني منه السياحة الجزائرية ليس ابن اليوم بل هو نتاج وعرض لمراحل كثيرة انطلاقاً من استقلال الجزائر حتى اليوم...
في هذا الأسبوع الثالث من زيارتي للجزائر قمت بعدة جولات شملت المناطق الواقعة على طول الشريط البحري المتوسطي، والمتميزة بالطبيعة الخلابة. ويمتد هذا الشريط من عاصمة الجزائر إلى مدينة بجاية، التي كانت يوماً ما عاصمة حضارية للدولة الحمادية الجزائرية، التي خلّد تنوّعها الثقافي والطبيعي في العصور القديمة الشعراءُ الوافدون من الأندلس ومفكرون علماء وفنانون كبار، منهم العلامة ابن خلدون والرياضي الإيطالي الشهير ليوناردو فيبوناتشي وغيرهم كثير.
لقد قادتني زيارتي الصيفية إلى معاينة عدة مظاهر سلبية، ما فتئت تقصم ظهر السياحة الجزائرية رغم تنوّع الجمال الطبيعي الساحر لجغرافية هذه المنطقة البحرية، التي لا تقلّ روعة عن الريفييرا الفرنسية، علماً بأن مساحتها تعادل مساحة بعض الدول مثل جمهورية المالديف وجزرها البديعة.
أسوأ مظهر سلبيّ يصدم السائح الزائر لهذه المنطقة المذكورة آنفاً هو غياب ما يدعى في علم جماليات المعمار الكلاسيكي والرمزي والرومانسي بــ"التناظم" و"التناسق " و"وحدة النسق" المعماري، سواء على مستوى البنايات الجزائرية، التي تسيطر عليها الفوضى وتفقدها جمالها، أو على مستوى التوزيع الهرموني الغائب لعناصر الطبيعة المجاورة.
في الحقيقة، فإن فوضى المعمار في الجزائر قد أصبحت ظاهرة مقلقة ومؤذية رغم وجود قوانين تمنع ذلك. وفي هذا الخصوص، يدعو المجتمع المدني الجزائري وزارة البناء والتهيئة العمرانية ووزارة السياحة ووزارة الثقافة إلى العمل، بالتنسيق مع جمعية المهندسين المعماريين الجزائريين، من أجل القضاء على هذه الفوضى، وفق مخطط معماري وطني مؤسس على أحدث النظريات الجمالية المتطورة التي تأخذ بعين الاعتبار تميز الشخصية المعمارية الوطنية الأصيلة.
وزيادة على ما تقدم، يلاحظ المرء النقص الفادح في وسائل المواصلات المتطورة، التي تيسر تنقل السائح الأهلي أو الأجنبي في أي وقت يشاء، ليلاً ونهاراً، مثل القطارات، والحافلات، والسيارات الفردية والجماعية. ومع الأسف، فإن الموجود من هذه الوسائل قديم ومتهرئ في الأغلب، وتتوقف حركته مباشرة بعد الساعة السابعة مساء؛ الأمر الذي يحوّل الفضاء الجغرافي السياحي إلى شبه خالٍ يصعب على السائح أن يتحمل وحشته.
في هذا السياق لا بدّ من الإشارة إلى نمط آخر من سلبية البنية التحتية السياحية، ويتعلق بالفنادق والمراقد المخصصة للمسافرين أو لعائلات المصطافين، حيث نجد هذه الأمكنة مرتفعة الثمن، متسخة في أغلب الأحيان، ولا تصلح للراحة والاستمتاع، بل تعاني من انقطاع تدفق المياه كثيراً.
في الحقيقة، فإن السياحة الجزائرية تحاصرها عدة مشكلات أخرى لم تجد حتى الآن الحلّ، وجراء ذلك لم تتمكن الجزائر أن تصبح قطباً سياحياً بارزاً يساهم في إغناء رأسمال التنمية الوطنية بكل أنواعها كما هو الأمر. مثلاً، في عدد من الدول المجاورة للجزائر كمصر، وتونس ومالطا وغيرها.
في الحقيقة، فإن الضعف البنيوي الذي تعاني منه السياحة الجزائرية ليس ابن اليوم بل هو نتاج وعرض لمراحل كثيرة انطلاقاً من استقلال الجزائر حتى اليوم. ففي مرحلة حكم الرئيس الراحل هواري بومدين قامت السلطات الجزائرية ببناء سلسلة فنادق ذات طابع معماري مستورد في المناطق المتاخمة للبحر الأبيض المتوسط بشكل خاص. ولكن غياب سياسات السياحة العصرية المتطورة في مشهد التنمية الوطنية في مرحلة الشاذلي بن جديد، ثم في مرحلتي العشرية الدموية، والرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة، حوّلت تلك الفنادق إلى ما يشبه تجمعات سكانية خصصتها الدولة مجاناً للهاربين من شبح الإرهاب والعنف الدموي.