"النظام العالمي"... وتحذيرات كيسنجر!

كتاب النهار 02-07-2025 | 04:17
"النظام العالمي"... وتحذيرات كيسنجر!

يتطلب إرساء دعائم "النظام العالمي" استراتيجية متماسكة، بحيث تستطيع قواعده وقوانينه ربط أقاليم العالم بعضها ببعض، وتقترن أهدافه بالمصلحة العامة والمشتركة للشعوب، وألا تحركها المصالح الذاتية للقوى العظمى وحدها...

"النظام العالمي"... وتحذيرات كيسنجر!
لا مفر من بذل الجهود لبناء نظام عالمي أكثر توازناً وعدالة ومشاركة. (أ ف ب)
Smaller Bigger

في ظل "نظام عالمي" هش وإقصائي وغير متوازن، أصبحت النزاعات الإقليمية بمثابة صفقات تديرها القوى الكبرى، تتعامل مع النزاعات باعتبارها مجرد "إدارة أزمات" قصيرة الأمد، وتترك أطرافها لمواجهة مصيرهم وحدهم. تلك الديناميكيات محرك رئيسي لضرورة إعادة النظر في "النظام الدولي"، في ضوء رؤية هنري كيسنجر وزير الخارجية الأميركي الأسبق وتحذيراته المثيرة!

حذر كيسنجر من خطورة هيمنة دولة واحدة على النظام العالمي حتى وإن بدت هذه الهيمنة في ظاهرها كأنها تجلب الاستقرار للعالم. وأوضح، في كتابه "النظام العالمي"، أن انفراد دولة ما تملك قدرات مفرطة بالهيمنة عالمياً، يرفع احتمالات الحرب والانفلات والفوضى، بينما يُعين تعدد مراكز القوة بصورة متكافئة على منع نشوب النزاعات المسلحة. وأشار إلى أنه عقب الحرب العالمية الثانية، اعتلت الولايات المتحدة - برفقة الاتحاد السوفياتي السابق - سدة القيادة الدولية، بقوتها الاقتصادية والعسكرية والثقافية، وبإشعاع مبادئ الحكم الحر والتمثيل الديموقراطي. بالتوازي انتقلت الشعوب الأوروبية، إلى التنافس في ظل توازن القوى، مما قاد إلى ازدهارها اقتصادياً وانتعاش فكرة التجارة الحرة، وإثراء الترابط الاقتصادي كبديل للصراعات.

لم تشارك أجزاء شاسعة من العالم في صوغ هذا النظام، بل أذعنت للقوى المهيمنة عليه، امتثلت للثنائية القطبية منذ عام 1948 إلى 1989، إلى أن أخذت الاعتراضات تطفو على سطح الأحداث بأوكرانيا والشرق الأوسط وبحر الصين الجنوبي، إلخ... ما يؤشر إلى تحولات بطيئة في بنية النظام العالمي.

طرح كيسنجر هذا الرأي عام 2014، ورحل عن عالمنا في تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، بعدما شهد بوادر معطيات جديدة، على الساحة الدولية، كالجماعات المتطرفة في العراق وسوريا، الحرب الأهلية في ليبيا، وتوتر علاقات أميركا مع روسيا والصين، بسبب أوكرانيا وتايوان ومساحات النفوذ والتجارة والتكنولوجيا. ولو أضفنا إلى ذلك - اليوم - الحرب الإسرائيلية- الإيرانية، بمشاركة واشنطن، والتوترات التجارية والجيوسياسية الإقليمية والدولية مع أزمات الاقتصاد الدولي، لأدركنا بسهولة أن الأزمة التي يمر بها النظام العالمي تستدعي التفكير الجدي في تأسيس نظام جديد، للخروج من هذا المأزق.

تضرب الولايات المتحدة، على لسان رئيسها دونالد ترامب، عرض الحائط بـ"مفهوم الدولة" المستقر في أدبيات السياسة الدولية. يرغب في اقتطاع غرينلاند من الدانمارك وضم كندا وقناة بنما، وهي "دول مستقلة"، أو تهجير الفلسطينيين من أرضهم، ما يجهز على مبادئ القانون الدولي والإنساني، بينما يمر الشرق الأوسط بحالة سيولة، تجعل المنطقة كحمم البراكين، تعجُّ بأطماع وحروب ظاهرة وخفية، فالمجموعات المسلحة والدول التي تدعمها تقوم بالتعدي على حدود دول ذات سيادة، صار بعض بلدانها نموذجاً لظاهرة "الدولة الفاشلة"، بالتوازي تشتعل في أوروبا بؤر توتر مع روسيا، وتتصاعد الخلافات في آسيا، كالهند وباكستان أو غيرهما، ما قد يدفع دولها إلى حافة الهاوية.

وبالنظر الى غياب آلية فعالة للتشاور بين القوى العظمى، وتراجع مكانة المنظمات الدولية كالأمم المتحدة، تتجلى ظاهرتان؛ الأولى صعوبة التوفيق بين الأهداف المحلية للدولة والأهداف العالمية، في ضوء تجاوز العولمة مفهوم السيادة الوطنية. والثانية تفاقم الأزمات الاقتصادية، نتيجة الصدام بين مكونات الاقتصاد والمؤسسات السياسية المتحكمة به، بسبب التطور السريع في بنية الاقتصاد العالمي، وثبات الهيكل السياسي للعالم.

كل تلك المشاهد على مسرح السياسة الدولية تظهر غلبة المصالح على الأخلاقيات. تفرض واشنطن سيطرتها على المنظمات الدولية السياسية والاقتصادية. تسخّر قراراتها لتحقيق مصالحها، بعيداً من العدالة والقيم الإنسانية، لعدم وجود قوى قادرة على الاعتراض والرفض، ما يعني أن نظام القطب الواحد شديد السوء، ليس للدول الأخرى وحسب، بل للقوة العظمى نفسها، التي تتمدد على حساب الآخرين بشتى السبل، ما يضعف قواها الداخلية، ويمهد لنهاية نظام القطب الأوحد، لأن التمدد المفرط نقطة بداية تآكل الإمبراطورية. هذه المعطيات تؤكد أن النظام العالمي القائم يحتاج إلى إيمان القوى الكبرى بأهمية تطويره، كي يتوازن ويستقر، بخاصة أن الأوضاع تزداد اشتعالاً بمرور الوقت، وتتدحرج إلى أن تصبح صراعاً بين الأمم، في مختلف الساحات.

وإذا أريد لكوكب الأرض أن يتنسم السلام والاستقرار، فلا مفر من بذل الجهود لبناء نظام عالمي أكثر توازناً وعدالة ومشاركة. سبق لكيسنجر أن حدد دعائمه، منها: إرساء كرامة الفرد، الحكم القائم على المشاركة، التعاون الدولي وفقاً لقواعد يرتضيها الجميع، لا بالمفهوم الغربي وحده، بل تشمل الثقافة الصينية والروسية والإسلامية والأوروبية وغيرها، حتى وإن اقتضى التقدم صوب هذا النظام اتباع خطوات متدرجة.

يتطلب إرساء دعائم هذا "النظام العالمي" استراتيجية متماسكة، بحيث تستطيع قواعده وقوانينه ربط أقاليم العالم بعضها ببعض، وتقترن أهدافه بالمصلحة العامة والمشتركة للشعوب، وألا تحركها المصالح الذاتية للقوى العظمى وحدها، لتفويت الفرصة على دعاة الحروب والمتطرفين من الدول والفاعلين من غير الدول، على اختلاف أوزانهم وقدراتهم، حتى لا ينجحوا في إرباك النظام كما تفعل أميركا وإسرائيل اليوم، من دون رادع!