.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
الاحتجاج على حكم "حماس" كان دائماً ومتداولاً ومعلناً في قطاع غزة منذ انقلاب 2007. ليس وليد هذه الحرب أو الحروب السابقة.
المسيرات التي خرجت في بيت لاهيا وشمال قطاع غزة تطالب بوقف حرب الإبادة، بدت وكأنها تمرد على الحرب نفسها. المشهد غير المألوف لمجاميع تهتف بين الشوارع المحطمة وكأنها ألم الحطام نفسه وصيحته، الأجساد المنهكة التي بدت وكأنها خارجة للتو من الحفر الرملية المستطيلة للمقابر الجماعية، الملابس المدعوكة المغبرة من المشي بين الخرائب والقفز بين قضبان الحديد والخرسانة والأدراج المدمرة، والاستلقاء على الغبار والدخان ورطوبة هواء البحر الملوث بكل شيء.
الهتافات المرتجلة تماماً تبدو مثل أحاديث مختنقة خرجت من مدافنها إلى الفضاء. لم تكن وليدة التحريض أو الإعلام أو استجابة لمؤامرة أو انتصاراً للهزيمة أو تلبية لنداء وصل من خارج كل هذا، كانت قادمة من الموت وليس من أي مكان آخر، كانت النداء نفسه، النداء المحبوس الذاهل القديم. كانت هنا دائماً متوارية في حطام الحروب القديمة التي تناوبت على غزة، كانت النزعة الإنسانية الفطرية التي غطتها البلاغة وخطابات الوهم واستعارات "النصر" التي تراكمت في صدور الناس كما يتراكم الغبار في الآبار المفتوحة.
الرسالة الموجهة لنخب الفصائل الفلسطينية وفي مقدمتها حركة "حماس" وقيادة السلطة في رام الله، ليست انحيازاً لفريق أو دعوة لحكام جدد، كانت في مواجهة الفساد والتفرد والانقسام الذي مهد الطرق للمقتلة.
الرسالة التي كانت تصل عبر إشارات وتنهدات وأحاديث مواربة وكتابات سريعة بأخطاء إملائية على الجدران، وعلى مواقع التواصل الاجتماعي عندما تعمل شبكة الإنترنت، ووقفات احتجاج أشبه بنوبات غضب متقطعة تتجمع كاملة الآن، وتتحرك مثل سحابة أو نوبة غضب جماعية لا يمكن السيطرة عليها وقابلة بقوة للانتشار عبر مسالك وممرات الإخلاء واللجوء والعودة شمالاً وجنوباً من بيت لاهيا وبيت حانون إلى أقصى بيوت رفح على حواف صحراء سيناء، وهي تنقل معها الغبار والدخان والمقاعد المتحركة وعربات الجر والمقتنيات القليلة مروراً بجباليا وغزة وخان يونس ودير البلح وصولاً إلى جنين وطولكرم في شمال الضفة.