صدمة القرن!

كتاب النهار 11-02-2025 | 07:03
صدمة القرن!

ما طرحه ترامب بشأن غزة يعكس رؤية استراتيجية لكيفية تعامل بلاده مع القضايا الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية...

صدمة القرن!
ينحني ترامب حتى تمر عاصفة الغضب ثم سيبدأ في تفعيل خطته بشأن غزة (أ ف ب)
Smaller Bigger

حتى لو قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب إنه ليس في عجلة من أمره لتنفيذ خطته للسيطرة على قطاع غزة، وإن بلاده "تنظر إلى هذه الخطة كصفقة عقارية تريد الاستثمار بها بعدما تقدّمها إسرائيل التي ستتولى حفظ الأمن فيها"، فإن ذلك لا يعني أنه تخلّى عن الخطة أو حتى أرجأها، وإنما يبدو، بعد ردود الفعل الغاضبة تجاه حديثه عنها أثناء المؤتمر الصحافي في البيت الأبيض مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، أنه أراد فقط الانحناء حتى تمرّ عاصفة الغضب، ثم يبدأ بتفعيل الخطة، أو وفق ما قال لاحقاً شراء غزة وامتلاكها؛ وهذا أحدث صدمة تجاوزت تلك التي أحدثها اقتراحه في ولايته الأولى بما عرف بـ"صفقة القرن"...

وما طرحه ترامب يعكس رؤية استراتيجية لكيفية تعامل بلاده مع القضايا الدولية، خصوصاً في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية بالفعل؛ فالسياسة الأميركية تجاه فلسطين وإسرائيل تعتمد على رؤية ثابتة إلى حدّ كبير، بغض النظر عن الحزب الحاكم أو الرئيس الموجود في السلطة، إذ تتبع الولايات المتحدة نهجاً استراتيجياً في دعم إسرائيل كحليف رئيسيّ في الشرق الأوسط، حيث يُنظر إليها كأداة لتحقيق مصالح أميركية أوسع، سواء من الناحية الجيوسياسية العسكرية، أو الاقتصادية.

من هنا، فإن كل رئيس أميركي، سواء أكان جمهورياً مثل ترامب أم ديموقراطياً مثل بايدن، يلتزم بخطوط عامة لا تتغير كثيراً، وإن اختلفت أساليب التنفيذ بين إدارة وأخرى. على ذلك، فإن المسألة لم تعد في القضاء على "حماس" وحسب وإنما على الفلسطينيين، أو الخلاص منهم وإبعادهم عن كلّ أرض يمكن أن يصدر منها ما يثير قلق الإسرائيليين.

منح ترامب  نتنياهو ما يتجاوز طموحاته؛ فإسرائيل اقترحت الكثير من البدائل، وهي تعلم أنها غير عملية أو مرفوضة، فجاء ترامب لينقذها من غزة، التي تحدث عنها وكأن ما جرى فيها كارثة طبيعية جراء زلزال أو إعصار وليست حرباً دموية حوّلت مبانيها إلى ركام، وأهلها إلى شهداء وجرحى ونازحين. أما مسألة تطوير القطاع فغطاء لرفع تهمة التهجير عن إسرائيل، في مقابل رفض العقل الجمعي الفلسطيني التهجير؛ وهذا يفسّر عدم الاندفاع إلى عبور الحدود المصرية، وكذلك السرعة في العودة إلى الوسط والشمال.

لم يفوت ترامب أيّ فرصة دون استغلالها لإدانة إدارة بايدن، في الوقت الذي يستثمر أصلاً في جرائم تلك الإدارة، وهو كان طرح صفقة القرن 2020 وفشلت، وكانت تتضمن حكماً ذاتياً للفلسطينيين بمسمّى دولة، ثم عاد في بداية ولايته الثانية ليطرح أفكاراً لا تتضمن لا حكم ذاتياً ولا دولة، بل تهجيراً مع يهودا والسامرة! وأضاف قطاع غزة إلى طموحاته إلى جانب غرينلاند وبنما وكندا. 

وقائع ما جرى بعد عملية "طوفان الأقصى" يشير إلى أن الرجل يبني على ما صار حاضراً بتحويل غزة إلى مكان غير قابل للحياة والعيش، وكأن اتفاق وقف إطلاق النار ليس جدياً، فهو تحدث عن استعادة الرهائن ولم يؤكد استمرار وقف إطلاق النار.

صدمة القرن التي أطلقها ترامب مثلت نهاية عالم وبداية منظومة عالمية جديدة معتمدة على القوة من دون أيّ اعتماد على القانون، إذ لم يتحدث عن السيطرة على غزة وحسب بل عن مسألة سيطرة إسرائيل على الضفة. ولأن إدارة بايدن مكّنت  إسرائيل من هدم غزة والتمهيد للتهجير فلا مفاجأة في تنفيذ التهجير؛ والآن تمهّد إسرائيل لهدم الضفة الغربية على مَن فيها والسيطرة عليها. ويبدو ترامب كأنه رأى أن الوقت حان لقطف ثمار ما جرى زرعه ورعايته وريّه حتى نضج؛ فإذا كان الهدف من اتفاق وقف إطلاق النار الترحيل والقضاء على "حماس" فكأنه يدعو الحركة إلى الانتحار، خصوصاً بعدما شكّك أكثر من مرة في قدرة الأنفاق على الصمود.

تصوّر ترامب أنه حلَّ لنتنياهو مشكلة مستقبل غزة، وأنهى الجدل حول اليوم التالي للقطاع، إذ كان هناك عشرات المقترحات من كل الأطراف ورفضها نتنياهو، فجاء ترامب ليقدّم هدية لإسرائيل التي كانت راغبة في التهجير لكنها لم تستطع، ومنعها الموقف العربي عموماً والمصري الذي لم يفوّت أيّ اقتراح أو ادّعاء للأميركيين أو الإسرائيليين إلا وردّ عليه، بل وهاجمه.

لم يتحدث نتنياهو بهذا السقف. ومنذ بداية الحرب لم يروّج لموضوع عن التهجير أو الاستيطان في غزة، لكنه ترك لآخرين من المتحالفين معه تسريب تلك الأفكار، بينما لم تقدّم أطروحات ترامب للعرب والفلسطينيين سوى معادلة صفرية أو تصفية تامة للقضية، مما يستدعي موقفاً مغايراً من "حماس" والفلسطينيين والوصول إلى قواسم مشتركة، وموقفاً عربياً وإقليمياً ودولياً صارماً، وإلا سيُسلّم الفلسطينيون إلى ترامب ليطيح بهم ويتهيّأ لإتمام مشروعه العقاري.