.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
يصب ترامب المزيد من الزيت على النار. يهوى انتهاك قواعد النظام العالمي.
تعاني البيئة الدولية تدهوراً حاداً، تُنتهك فيها مواثيق القانون الدولي ومؤسساته. الأمم المتحدة مهمّشة عاجزة، تكتفي بالتفرج على مسرح الأحداث. الفجوة مخيفة بين التحديات الخطيرة واستجابات العالم لها، وتزداد شراسة الرغبة في التمدد والهيمنة بين القوى الكبرى والقوى التابعة لها كأميركا وإسرائيل!
يعتمد الرئيس الأميركي دونالد ترامب نمط الانتهازية السياسية، وربما الاستخدام الانتهازي للقوة. يلوّح لحلفاء أميركا بضم أراضيهم إلى بلاده، كندا والمكسيك وغرينلاند وبنما، وهي دول مستقلة. كما يتوعد بمضايقة أعضاء حلف شمال الأطلسي لإنفاق المزيد من المال للدفاع عن أنفسهم ضد روسيا، ويهدد الأوروبيين والصينيين بحروب تجارية حادة، ما يحول أميركا من حامية إلى تهديد لحلفائها الأقربين، ويطالب مصر والأردن باستقبال سكان غزة، لتصفية القضية الفلسطينية، وبتوسيع حدود إسرائيل، لأن حجمها في الشرق الأوسط، كالقلم فوق المكتب، بحسب وصف ترامب!
يصب ترامب المزيد من الزيت على النار. يهوى انتهاك قواعد النظام العالمي. تراوده غواية استخدام القوة أو التلويح بها لتغيير الحدود وقرصنة الغنائم على حساب الحلفاء والأعداء، ما يفتح الباب لانهيار هذا "النظام".
تمثل الولايات المتحدة 5% من سكان العالم، وتمتلك 30% من ثروته، يبلغ ناتجها المحلي الإجمالي نحو 29 تريليون دولار، وإنفاقها العسكري 916 مليار دولار، وهو الأكبر عالمياً. النمو الأميركي هو أقوى محركات الاقتصاد العالمي. يرفع ترامب والذين معه شعار "لنعد أميركا عظيمة"، وهو يمثل جرس إنذار مخيفاً لمستقبل بلدان أخرى. يؤمن الرجل بأن تراكم القوة الاقتصادية والعسكرية السبيل لإعادة تأسيس الردع الأميركي وإخضاع الصين وروسيا. براغماتية فاقعة، يطلق عليها بعض الخبراء "سياسات طائشة"، لا تراعي القيم أو المواثيق، تقسو على الحلفاء، قد تفعل أي شيء، حتى لو كان استخدام القوة كوسيلة لحل النزاعات الدولية عبر الإكراه العسكري والاقتصادي. إن "منطق الصفقة" هو "نقطة الضعف" في نهج ترامب، يحدد معظم النتائج المرتقبة في تعامله مع الأزمات الداخلية والخارجية.
عندما لا يرتبط استخدام القوة بالقيم، فإن النتيجة فوضى عالمية، قد تبدأ خارج الحدود الأميركية، لكن شررها لا بد أن يتطاير إلى الداخل. قدم ترامب نفسه للناخبين باعتباره صانع سلام. الزعيم الذي يبرم الصفقات اللازمة لاستعادة النظام، والحد من تورط واشنطن في الحروب... لكن الظاهر حتى الآن من توجهات الرئيس الأميركي يكشف عن وجه إمبريالي، وأن تصبح واشنطن القيّم الوحيد على نصف الكرة الغربي، في تطبيق عملي لمبدأ مونرو. أيد مرشحو ترامب لتولي وزارتي الخارجية والدفاع ومجلس الأمن القومي القيام بعمليات عسكرية عبر الحدود المكسيكية ضد عصابات المخدرات، بينما تنفذ واشنطن احتواء وتطويقاً وتطويعاً لدول أخرى.
في المقابل، تعمل الصين وروسيا كل بطريقتها، على تقويض حرية أميركا "غير المقيدة" في التدخل العسكري والاقتصادي الأحادي في أنحاء العالم. صحيح أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يبدو مرتاحاً لصعود ترامب إلى سدة الحكم، لكن الصين تشعر بقلق شديد. تخشى سياسات ترامب العدائية تجاهها. تقرع "الطبل القومي" بشأن الاحتواء، ما يزيد التوترات مع الولايات المتحدة، وسط رياح اقتصادية معاكسة. تعتقد الصين أن علاقاتها مع الغرب ستكون صعبة للغاية خلال السنوات المقبلة، في ظل منافسة جيوسياسية محتدمة، تجري غالباً على حساب الدول الضعيفة، وتجعل التعاون من أجل مواجهة مشكلات العالم، أمراً بعيد المنال. هذه السياقات الكارثية تخلط أوراق الجغرافيا السياسية شرقاً وغرباً، وسط حالة من عدم اليقين تزعزع الاستقرار الدولي في نهاية المطاف.
تخنق الأكاذيب الحقائق. تثير الولايات المتحدة حالياً كل هذه الجلبة. تثير حفيظة القريب وحنق البعيد. يبرز التقييم الرصين لمخاطر توجهات الرئيس الأميركي "حالة هوس" بالهيمنة، وتلك بدايات مشوار طويل لأفول الإمبراطورية، بينما تشق الصين طريقها قوة صاعدة. هنا تكمن المفارقة المركزية لرئاسة ترامب، إذ تحتاج واشنطن إلى اتباع النصيحة التي قدمها جورج كينان عام 1948، والتي تجاهلتها أجيال من صانعي السياسة الأميركيين: تجنب الحرب التي لا داعي لها، والوفاء بالوعود الواردة في الوثائق التأسيسية للبلاد، وتزويد المواطنين العاديين باحتمال الحياة الكريمة. مكان البدء في ذلك هو إعادة تشكيل الجيش الأميركي ليصبح قوة مصممة لحماية الشعب الأميركي، لا أن يكون أداة لإسقاط القوى العالمية وممارسة الهيمنة والتوسع الإمبراطوري بذرائع شتى، لأنها لو لم تعد إلى رشدها وتؤثر التعاون على الصراع مع الجميع، فإن المرجح أن يتغير موقع الولايات المتحدة في سلم القوى بين الدول، وأن تلقى من حيث موقعها الدولي مصير بريطانيا في القرن التاسع عشر، نتيجة لتغير في "طبيعة القوة". ستجد صعوبة في استمرار الإنفاق الدفاعي بالوتيرة نفسها. ستبقى الأولى في معايير القوة الناعمة والخشنة عالمياً، لكن الفارق بينها وبين الدول الكبرى الأخرى سيتقلص بشكل تدريجي محسوس، إلى أن تصل إلى لحظة التكافؤ، وهي اللحظة التي تبدأ عندها الإمبراطورية الأميركية في طريق الأفول، وتلك قصة أخرى!