شيء من الخوف... ترامب و"عدو الشعب"!

كتاب النهار 29-01-2025 | 01:07
شيء من الخوف... ترامب و"عدو الشعب"!

مجموعة من "الأوليغارشية" تنتهك ثرواتها الهائلة وقوتها حقوق الأميركيين ومستقبل الديموقراطية...

شيء من الخوف... ترامب و"عدو الشعب"!
هناك "شيء من الخوف" (أ ف ب)
Smaller Bigger

في ما يشبه "النبوءة"، حذرت الكاتبة الأميركية ماريان وليامسون، من أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب تمثل ذروة حكم الأوليغارشية؛ ففي الوقت الذي يزعم ترامب أنه صوت الشعب المدافع عن مصالحه ضد نخبة واشنطن، لم يكن هناك شيء أبعد عن الحقيقة من هذا الادعاء. إن "حكم الأوليغارشية" هو "العدو الأكبر" لمصالح عموم الأميركيين!

نبهت وليامسون، في مقال بمجلة "نيوزويك"، إلى أن سلطة الأوليغارشية تعاظمت في واشنطن منذ عام 1980، وأنه من الوهم تصور أن سياسات بايدن أو ترامب قادرة على مواجهتها، فهي لم توصل للبيت الأبيض إلا أكثر خدمها طاعة، منذ ريغان حتى اليوم. وليامسون أوضحت أن الإدارات المتعاقبة تقوم بإلهاء الشعب الأميركي، عن طريق خلق الأعداء الوهميين، مثل خطر الصين وروسيا وكوريا الشمالية، وأن سعيها إلى الهيمنة على العالم على حساب الحلفاء والأعداء، يأتي خدمة لمصالح لوبي التصنيع العسكري.

و"الأوليغارشية" بأبسط معانيها هي حكم الأقلية، مجموعة صغيرة تسيطر على معظم الموارد وتحتكر السلطة في بلد ما، من ثمّ يمكن فهم لماذا حملت كلمات الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في خطابه الوداعي، كل هذا القلق والتشاؤم، تحذيراً من سياسات خلفه الرئيس (الملياردير) ترامب المتحالف مع كبار رجال الأعمال، أبرزهم إيلون ماسك أغنى أغنياء العالم. بايدن أوضح أنهم زمرة تجمع السلطة والثروة، "تهدد ديموقراطيتنا وحقوقنا وحرياتنا"، فالعواقب وخيمة. حذر بايدن من خطورة تركز السلطة بأيدي حفنة من ذوي الثراء الفاحش، مبيناً أنهم مجموعة من "الأوليغارشية" تنتهك ثرواتها الهائلة وقوتها ونفوذ المجمع الصناعي التكنولوجي حقوق الأميركيين ومستقبل الديموقراطية.

تحذير بايدن ليس الأول، سبقه الرئيسان روزفلت وأيزنهاور، حينما تصدى روزفلت لمن سماهم "الملكيين الاقتصاديين" الذين حاولوا عرقلة خططه لمواجهة "الكساد العظيم"، واتهموه بأنه "اشتراكي بغيض"، فصرخ في وجوههم: "إنني أرحب بكراهيتكم". آمن روزفلت بأن دور الحكومة ليس مجرد مساعدة الناس أثناء الأزمات، بل أن تصنع الظروف لتفادي الأزمات أساساً، لذلك أطلق روزفلت الإصلاحات الثلاثة: إغاثة العاطلين من العمل، وتعافي الاقتصاد، وإصلاح النظام المالي لمنع تكرار الكساد.

بالمثل حذر الرئيس الأميركي الجنرال دوايت أيزنهاور، في خطابه الوداعي، من الصعود الكارثي للقوة في غير محلها، بأيدي المجمع الصناعي العسكري الأميركي، داعياً المواطنين لليقظة، لإبقاء "هذا المجمع" تحت السيطرة، حتى يزدهر الأمن والحرية معاً.

وليامسون شرحت الأمر، أن النظام الذي يسهل على الأغنياء أن يصبحوا أكثر ثراءً، ويصعب على الفقراء حتى تحقيق الحياة على الإطلاق، هو نظام غير أخلاقي وغير ديموقراطي. ومن واجبنا أن نعارضه، فلا يمكن للأوليغارشية أن تنكر رغبتها في التحكم بموارد البلاد، أن تكون ملكاً لها وحدها، هذه هي طبيعتها الوجودية. وبكلمات توماس جيفرسون: "إن الاتجاه العام للأغنياء هو افتراس الفقراء". إن فئة المانحين من أصحاب المليارات لا تتعرق في سبيل المواطن الأميركي العادي، ووجود مثل هذا النظام الطبقي يحمل بصمات إدارة تدير ظهرها لشعبها. يتعرض النظام السياسي الأميركي للهجوم. الديموقراطية هي الضحية، نتيجة التأثير غير المشروع للمال، بخاصة أموال الشركات. إن مزيجاً من اللامساواة الشنيعة والإسراف الفاسد يفسّران لماذا هذا البلد الهائل الغني بالمواهب يجد نفسه غير قادر على مواجهة الخلل الوظيفي في الداخل والأزمات في الخارج. لا يمكن للقوة العسكرية أن تعوض عن غياب التماسك الداخلي والانضباط الذاتي الحكومي. ما لم ترتب الولايات المتحدة منزلها، فإن أملها ضئيل في ممارسة القيادة العالمية.

بحسب "الإيكونومست" ستكون ولاية ترامب الثانية أكثر إزعاجاً واضطراباً من الأولى، بل ستطيح بقواعد السياسة الخارجية التي ترسخت منذ الحرب العالمية الثانية.

يكرس أسلوب ترامب في الحكم لميكافيلية جديدة تؤرّق الأميركيين وغيرهم. لا يكترث بأي مؤسسات أو قواعد سياسية أو قانونية. وبالنظر إلى التأثير غير المشروع للمال على "النظام"، يبذل السياسيون الأميركيون جهودهم لخدمة مصالح الشركات الكبرى، أكثر من "المصالح الإنسانية"، إنه "نظام مزور" اقتصادياً. يعملون على تعظيم أرباح الشركات الضخمة أكثر من اهتمامهم برفاهية الشعب الأميركي وأمن الكوكب. "يدرك المزيد من الأميركيين اليوم أن ديموقراطيتنا تحولت إلى حكم الأوليغارشية. تمت عرقلة قدرة حكومتنا على خدمة شعبها، وذلك بما يضمن خدمة المصالح الخاصة لعدد قليل نسبياً". الحكومة الأميركية بالنسبة لهم مجرد "بقرة نقدية" لزيادة أرباحهم.

عاد ترامب رئيساً لأميركا. يجمع في يده القوة الهائلة لهذا المنصب للمرة الثانية. الفرصة قائمة أمامه، للسير في طريق روزفلت وأيزنهاور، أي الانحياز إلى مصالح الشعب الأميركي حتى لو صار "مكروهاً" من جانب الأوليغارشية المتحكمة، لكن لو واصلت الأوليغارشية حصد الانتصارات، والضغط على دواسة السرعة، فلا يمكن لأي حاجز حماية، داخلياً أو خارجياً، أن يوقف انحراف الإمبراطور، وبالتالي الإمبراطورية. هناك "شيء من الخوف"، مع دعوة أحد نواب الكونغرس إلى "تعديل الدستور"، ليظل ترامب رئيساً لفترة ثالثة!