لبنان المفيد

كتاب النهار 05-01-2025 | 17:18
لبنان المفيد
من حسن حظ لبنان، توأم سوريا في الاستقلال عن الانتداب الفرنسي، وشقيق تجربتها السياسية البرلمانية أن عسكره كان بمنأى عن الإغراء الانقلابي، بحكم التكوين المجتمعي...
لبنان المفيد
العلم اللبناني على تمثال الشهداء (أرشيفية، نبيل اسماعيل).
Smaller Bigger

-  فرانز كافكا-

لم أقرأ في أدبيات السياسة عبارة أشَدَّ مَقْتًا من شعار "سوريا المفيدة" التي رفعها النظام السوري السابق، تعبيرًا عن ارتياحه لخروج قسم كبير من أراضي الدولة السورية عن سلطته، وتهجير ما يوازي ثلث الشعب السوري عن بلده. وإمعانًا في البذاءة الوطنية، كان الحاكم يرفض عودة مواطنيه بحجة فقدان البنى اللازمة لاستقبالهم، ويستعمل هذا الملف للابتزاز الدولي والعربي، فيما هو في قرارة نفسه مطمئن أن الأكثرية التي كانت تؤرِّق حكمه آلت إلى جزر متناثرة قليلة الخطر، فاقدة التأثير. والغرابة أن الساسة المستبدين يستمرئون استعمال المفردات في عكس معانيها القاموسية أو المتعارف عليها.

أتمنى، أن سوريا المفيدة تؤول الآن إلى معناها الحقيقي، فيعود أهلها إليها، وتبسط سلطتها على أرضها كلها ومواردها كافةً، لأنها في الأصل دولة تامة ومتكاملة جغرافيًّا وبشريًّا وإنسانيًّا، وكانت ذات ريادة في الزراعة والصناعة، وسيدة تاريخية في التجارة، مليئة بالنخب الخلاقة والرائدة في عالم الاستثمار والمصارف والثقافة والسياسة والوطنية، وهي بهذه الصفات لا تليق بها الديكتاتوريه على الإطلاق، ولا حكم الحزب الواحد، أو الطائفة أو المذهب، لأنها رفعت على مر العصور، رايات التحديث والابتكار وتعايش الأنواع والأديان، ومارست الحياة الديمقراطية على مدى قصير، فكانت مثلًا واعدًا جدًّا، من خلال حكام نخبويين، اتصفوا بالعلم والجدارة والنزاهة، غفلوا في لحظة لعينة عن طموح ضابط جاهل، قفز إلى السلطة دون أن يدري كيف يديرها، ففقد حياته بعد فترة وجيزة، وفقدت الديمقراطية تجربتها، بعد أن سقطت النجوم عن أكتاف الضباط المحترمين، إلى ضباط مغامرين، لا تذكر آثارهم إلا مصحوبة باللعنات.