الحوار الوطني وأزمة السكن في خطاب الرئيس الجزائري

كتاب النهار 31-12-2024 | 01:20
الحوار الوطني وأزمة السكن في خطاب الرئيس الجزائري

يرى مراقبون سياسيون جزائريون أنَ الحوار الوطني وأزمة السكن يحتاجان إلى مناقشة دقيقة ومفصلة...

الحوار الوطني وأزمة السكن في خطاب الرئيس الجزائري
يعتبر الرئيس الجزائري أزمة السكن مسألة كرامة (أ ف ب)
Smaller Bigger

تضمّن الخطاب الذي  وجّهه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، إلى المواطنين الجزائريين من خلال غرفتي البرلمان السفلى والعليا يوم الأحد الماضي قضايا عدّة، منها على وجه الخصوص الحوار الوطني الذي وعد به أثناء حملته الانتخابية، وأزمة السكن التي ما فتئ يعتبرها مسألة كرامة، فضلاً عن التصدّي للفساد الإداري والمالي الذي شرع فيه منذ عهدته الرئاسية الأولى. 

من الضروري التذكير، أنّه قبل هذا الخطاب بأيام قليلة، كان الرئيس الجزائري قد مهَّد لخطابه هذا بإصدار عفو رئاسيّ استفاد منه 2471 مسجوناً، وفسّر بعض الجهات المعارضة هذا الإجراء بأنّه يدخل أيضاً ضمن إطار التدابير الاستباقية بهدف احتواء أيّ مشاكل قد تخلّ بالتهدئة  والاستقرار السياسي والاجتماعي في البلاد.

في هذا السياق، يرى مراقبون سياسيون جزائريون أنَّ الحوار الوطني وأزمة السكن يحتاجان إلى مناقشة  دقيقة ومفصّلة، حيث أنّ قضية الحوار التي أكّدها الرئيس تبون في خطابه تكتسي أهمية بالغة حقّاً، ولكنّ السؤال المركّب المطروح في هذا الشأن هو: ما هي الأطراف التي سيشملها هذا الحوار المأمول، وهل سيدور داخل أروقة أجهزة السلطة وأحزاب الموالاة؟ أم أنّه سينفتح على تنوّع القوى الوطنية، بما في ذلك شريحة المعارضة بمختلف أطيافها داخل وخارج الوطن؟ ثمّ ما معنى العبارة الآتية التي جاءت في خطابه المذكور آنفاً وهي: "يكون الحوار الوطنيّ عميقاً وجامعاً، بعيداً عن الاستنساخ؟"

من المعروف أنّ الجزائر، منذ ثمانينات وتسعينات القرن العشرين تمكّنت نسبياً من التخلّص من "سرير بروكوست" الحزب الواحد إلى شبه التعددية الحزبية، غير أنّ هذه العملية قد تلقّت الكثير من الضربات  الموجعة، الأمر الذي أدّى إلى صراع مسلّح على مدى العشرية الدموية، ومنذ ذلك الوقت وخيوط الحياة السياسية الجزائرية بقيت مشتتة، حيث لم يتمّ الانتقال بسلاسة إلى طور التعدّدية السياسية الأكثر نضجاً وقدرة على التخلّص نهائياً من الذهنيات التي صفَحتها الثقافة الأحادية والتي أطلقها مرّة أخرى الرئيس الراحل، عبد العزيز بوتفليقة،  إلى الفضاء السياسي الجزائري، الأمر الذي أدّى إلى تأبيد "العهدات الرئاسية" التي حاول  الحراك الشعبي مساءلتها نقدياً، ولكنّه تعرض بدوره إلى الاحتواء حتى يومنا هذا.

على أساس ما تقدّم، يعتقد العارفون بالبنية العميقة للوضع السياسي الجزائري المعقد، أنّ الحوار الوطني القادم ينبغي أن يتأسّس على مجموعة من الشروط الضرورية منها، مثلاً، توفير المناخ الإيجابيّ للمعارضة، سواء أكانت أحزاباً عاملة أم مجمّدة أو مرفوضة، أو كانت شخصيات غير مهيكلة حزبياً لكي تعمل بحرية ضمن شرط احترام القانون والانتصار للوطنية ولمشروع تحديث وعصرنة المجتمع الجزائري.

 وفي هذا الخصوص فإنّ فتح المجال لإنشاء المنابر للإعلام النقدي المعارض هو إحدى الخطوات الأولية التي تضمن وصول خطاب المعارضة إلى المواطنين، وإلى جانب ذلك فإنّ الابتعاد عن "استنساخ" الأشكال القديمة للتعاطي مع المعارضة يعني ضمنياً بناء فضاء التعددية السياسية التي لا ينبغي خلطها تعسّفياً بمصطلح التعددية الحزبية الشكلية ضمن إطار وصاية النظام الحاكم.  

وفي الحقيقة، فإنّ الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون أبعد نفسه عن التبعية لهذا الحزب أو ذاك الحزب الآخر أثناء خوضه السباق الرئاسي كمترشّح حرّ في العهدة الأولى وفي العهدة الثانية، علماً أنّ أحزاب الموالاة قد حشرت نفسها كالعادة، وجرّاء ذلك تضاءلت نسبة مشاركة المواطنين أثناء عملية الانتخابات.

أمّا في خصوص أزمة السكن التي شدَّد عليها خطاب الرئيس تبون، فإنّ حلّها جذرياً وتدريجياً ممكن نظراً إلى الإمكانيات المالية واللوجستية المتوفّرة لدى الجزائر، فضلاً عن الدول التي تتعاون معها في مجال البناء مثل الصين  ومصر وغيرهما، ولكنّ إنجاح عمليات حلّ هذه الأزمة يتطلب إجراءات متضافرة عدّة، منها تفعيل "البطاقة الوطنية" للسكن على المستوى الوطني لمنع كلّ من يملك سكناً مناسباً سواء عن طريق الشراء أو الوراثة أو التوظيف المهني من مزاحمة ملايين الجزائريين الذين يعانون من مرارة عدم امتلاك السكن.

بالإضافة إلى ما تقدّم فإنّ السلطات الجزائرية قد اعتادت على ترك المواطنين يعبثون بالمعمار الفوضوي، وبسبب ذلك صارت لدينا قرى ومدن "شبحية" لا تتوفّر على أدنى خصوصية معمارية وجمالية. وهناك مشكلة مزمنة أخرى لم تُحلّ حتّى الآن وهي غياب إشراف أجهزة الحكومة التنفيذية عبر الوطن على تأسيس وكالات تشرف مباشرة على وضع أسعار مناسبة لسكنات الإيجار ومراقبة  تطبيقها، وذلك لمنع السماسرة  والخواص من فرض أسعارهم التي تنهب المستأجرين وخاصة ذوي الدخل الضعيف من العمال والشرائح الاجتماعية الفقيرة.