.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
المفكر السياسي الإيطالي، يُشكّل مرجعاً أساسياً لليسار في مجال نظرية الهيمنة والثقافة...
في ظلّ أزمة النظام العالمي المتنامية، وتفاقم النزعة العسكرية والاشتباكات بين القوى الدولية والإقليمية، يستعيد غرامشي راهنيّته، مفكراً متميزاً للأزمات الانتقالية، لدرجةٍ صار شائعاً أن نرى الساسة أو المعلّقين أو حتى عموم الناس الأقلّ اهتماماً بالثقافة والسياسة، يستشهدون بغرامشي، للحديث عن الأزمات أو محورية الثقافة أو غيرها من أفكار المفكّر الإيطالي التقديمي.
المفكر السياسي الإيطالي يشكّل مرجعاً أساسياً لليسار في مجال نظرية الهيمنة والثقافة، وهو المجال الذي يسعى يوهان دويت، أحد القلة المتخصصين في الدراسات الغرامشية شرحه ورصد تحوّلاته في كتابه "الهيمنة والثورة: غرامشي، مفكراً سياسياً"، بعيداً من سطحية التناول الشعبي وأعمق من مجرّد تداول اقتباساتٍ أو مصطلحات من معجمه، وتقديم عمل مفيد في تصحيح وإعادة صياغة الدروس السياسية للنصّ الغرامشي، فهو يضع حدّاً للعادات الاختزالية لغرامشي حول التحرر من خلال الثقافة.
شكّل غرامشي تطوراً أساسياً في الفكر اليساري، حيث وسع نطاق اللينينية لتشمل قضايا الهيمنة الثقافية والسياسية، فهو يرى أنّ أفكاره ليست انقطاعاً عن اللينينية، بل هي امتداد خلاق لها، مركّزاً على أهمية الحزب السياسي كأداة رئيسية لتحقيق التغيير الاجتماعي. وبينما كانت الهيمنة في الماركسية التقليدية تعني سيطرة الطبقة العمالية على الطبقات الأخرى، أضاف غرامشي بُعداً ثقافياً وفكرياً لهذه الهيمنة، مشدّداً على ضرورة تحقيق "الهيمنة الأخلاقية والفكرية" من خلال إقناع الطبقات الأخرى بمشروعية مشاريع التغيير الجذري؛ فالهيمنة عنده ليست مجرّد هيمنة قسرية أو مادية، بل تشمل القدرة على الحصول على قبول ورضا الطبقات الأخرى، وهذا يتطلّب ضرورةً استخدام أدوات ثقافية مثل التعليم، الإعلام، والدين لتحقيق السيطرة. فأي نظامٍ، لا يعتمد على السيطرة الاقتصادية وحسب، بل أيضاً على القدرة على تنظيم المجتمع فكرياً وثقافياً.
والهيمنة الثقافية هي الوسيلة التي تجعل الطبقات الخاضعة تقبل الوضع القائم دون سعي لتغييره. ويشرح يوهان دويت كيف طوّر غرامشي فهماً موسّعاً للصراع، حيث أدخل أبعاداً سياسية وثقافية إلى جانب البعد الاقتصادي الطبقي. فمن خلال البعد الثقافي للصراع يؤكّد أنّ السعي نحو التغيير ليس محصوراً في المصانع والحقول، بل يمتدّ إلى المجال الثقافي، حيث يتمّ تشكيل الوعي. كما قسّم استراتيجيات التغيير إلى نوعين: أولاً، حرب الموقع: وهي نضال طويل الأمد يركّز على بناء المؤسسات الثقافية والاجتماعية التي تدعم إرادة التغيير. وثانياً، حرب الحركة، التي تشير إلى الاحتجاج الاجتماعي.
يقدّم فكر غرامشي رؤية شاملة ومعقّدة للنضال الاجتماعي، تجمع بين السياسة، الثقافة، والاقتصاد. فرؤيته حول الهيمنة والحرب على الموقع توفّر إطاراً لفهم التحدّيات التي تواجه الحركات الاجتماعية في عصرنا، من خلال الجمع بين النضال الثقافي والتحالفات السياسية والعمل المؤسسي. راهناً، تظلّ أفكار غرامشي حول الهيمنة ذات صلة في النقاشات السياسية اليوم، خاصّة في مواجهة التحدّيات التي تفرضها النيوليبرالية وصعود اليمين المتطرّف، في القسم الغربي من العالم، وما تفرضه مراحل الانتقال من طورٍ إلى طورٍ في جنوب العالم، حيث تعمّ فوضى الثورات والحروب الأهلية وسقوط الدول وولادة الكيانات تحت الوطنية، فقد أصبحت الهيمنة الثقافية أكثر أهمية من أيّ وقت مضى كأداة لتحدّي سيطرة الأنظمة.
لكنّ التحديات التي تواجه تطبيق أفكار غرامشي في السياق الراهن أصبحت أكثر تعقيداً من النصف الأول من القرن العشرين، حيث أصبحت المجتمعات المدنية أكثر تفكّكاً. فالمؤسسات التقليدية، مثل النقابات والأحزاب، قد تراجعت قوّتها، ما يجعل من الضروري تطوير استراتيجيات جديدة لتأطير الناس ضمن أشكال جديدة من التجمع والعمل العام. وبعبارة أخرى، وفقاً ليوهان دويت، يصبح المجتمع المدني أكثر "هلامية"، وهو ما يجعل بعض الحركات الاجتماعية تتّخذ أشكالاً غير تقليدية وغير منظمة، مثل "السترات الصفراء" أو الاحتجاجات الشعبية، والتي غالباً ما تكون غير منظمة وتفتقر إلى استراتيجيات طويلة الأمد، والتي تقطف ثمارها مجموعات منظمة ولكنّها ذات مشاريع رجعية دينية أو قومية. لذلك، فإن جزءاً من هزيمة مشاريع التغيير العربية يعود أساساً إلى خواء الأجسام الوسيطة، السياسة والثقافية، فكلما ترك الناس للتغيير لم يجدوا أطراً حزبية أو نقابية أو ثقافية متماسكة للعمل العام. وهذا يدفع قطاعات واسعة منهم نحو العودة إلى الطائفة والقبيلة والعشيرة والمنطقة والجماعة.