صدّقوا كلّ النساء واحترموا كلّ الرجال

كتاب النهار 21-12-2024 | 02:49
صدّقوا كلّ النساء واحترموا كلّ الرجال
سأقولها وأنا النسوية المتعصبة: الرجال... بحاجة إلى ثورة.
صدّقوا كلّ النساء واحترموا كلّ الرجال
مطرب ومنتج الراب الشهير شون كومبز (أ ف ب)
Smaller Bigger

شون كومبز، أو "باف ديدي"، أو "بي ديدي"، أو "ديدي"... ألقاب مطرب ومنتج الراب الشهير لا تضاهيها عدد سوى أكوام الاتهامات ضدّه بالاغتصاب؛ فمنذ أواخر 2023، خرجت أرتال من الناس، ومن الجنسين، لفضح اعتداءات كومبز الجنسية عليهم خلال الحقبة الممتدة منذ 1990. لقد بات الفنان ينافس "المقبورين" محمد الفايد وجيفري إيبستين في سجليهما الإجراميين، إذ تخطّت الدعاوى القضائية ضدّه حاجز المئة!

المثلج للصدر هو أن المتلقين أبدوا تعاطفاً كبيراً مع ضحايا كومبز من النساء، وأبرزهنّ كيسي فينتورا، عشيقته السابقة، لا سيّما بعدما نشرت قناة "سي إن إن" مقطع فيديو من كاميرات المراقبة في إحدى فنادق لوس أنجليس يُظهر قيام كومبز بضربها وسحلها وركلها.

ولكن للأسف، لا يمكنني أن أزعم بأن ردة الفعل جاءت مشابهة بالضرورة لضحايا كومبز من الرجال، خصوصاً في ظل الأحاديث حول تخديره واغتصابه لبعض زملائه المطربين، مثل جستن بيبر، وآشر، وميك ميل، ودا بيبي، ثم استغلاله لنفوذه، وصلاته بالعصابات، وأقدميته في الساحة، وحتى المصالح المشتركة بينهم وبينه كمنتج، ليبقي عليهم تحت سيطرته.

فقد لاحظت، ولصدمتي الشديدة وخيبة أملي، سخرية واستهزاء مقززين بهؤلاء الضحايا من الفنانين الذكور، حتى بعدما أخبر شهود العيان عمّا تعرّضوا له، وسُرّب مقطع صوتي مزعوم لإحدى الاعتداءات. شككت لوهلة بأنني أقرأ تعليقات بشر مثلنا، لهم قلوب نابضة ومشاعر وأحاسيس. بل شككت بأنني في 2024، أفليس الخوف من "العقاب" الغوغائي وتشويه السمعة في وسائل التواصل الاجتماعي رادع للناس؟ ولكن لم يبدُ بأنّ ثمة عواقب للضحك على ضحايا الاعتداء الجنسي، ونبزهم بالكلام، إن كانوا ذكوراً مثلما هو الحال لو كنّ إناثاً. 

سأقولها إذاً، وأنا النسوية المتعصبة: الرجال بحاجة إلى ثورة.

أثناء حراك "مي تو"، والذي نشط في 2017 ليشجّع النساء من حول العالم على الكشف عن تجاربهن مع المتحرشين والمعتدين جنسياً، ثمة شعار اكتسب زخماً قوياً: "صدّقوا كل النساء".

إنه يعني -بحسب فهمي- منح النساء المساحة المبدئية الكافية من الأمان والطمأنينة للتعبير عن مآسيهنّ مع التحرش والاعتداء الجنسي دون أن تُقطع ألسنتهن تلقائياً بسكين التعهير والتشنيع والتكذيب، فهي سكين عالية الفاعلية، ولطالما منعت النساء من سرد قصصهن. إنّه يعني إعفاءهنّ من التشكيك الفوري في "اضطرار" هذا الملياردير أو ذاك النجم للاغتصاب وهو الذي "ينتقي" النساء من "الكتالوج"، أو من الإنكار الفوري لتعرّض إحداهن للاغتصاب لأنها لا تلبي معايير الجمال السائدة. إنه يعني ألّا يصبح لباس إحداهنّ، أو تحرّرها، أو سهرها، دليلاً ضدها قبل حتى التحقيق في ادّعاءاتها.

واليوم في 2024، ربما حان الوقت لشعار مثل "احترموا كلّ الرجال"، ذلك لأنّها سكّين السخرية والتهكّم والضحك على وجه الخصوص هي التي تمنعهم من مجرّد فتح أفواههم ضدّ المعتدين، فمتى يُمنحون المساحة الكافية من الاحترام لنزع أصفاد تجاربهم؟