لو لم يكن ثمة لبنان لاخترعناه

كتاب النهار 22-11-2024 | 05:00
لو لم يكن ثمة لبنان لاخترعناه
هل تتبلور عزيمة ومبادرة النخب السياسية اللبنانية لإنقاذ البلاد وإغلاق الجرح اللبناني أمام عبثية المليشيات؟ لعلي اليوم أكثر تفاؤلاً رغم الدراما اللبنانية المشتعلة. لكن دور العرب في اليوم التالي يبقى جوهرياً!
لو لم يكن ثمة لبنان لاخترعناه
لو كان لبنان طارئاً لاقتلعت أولى العواصف جذوره من الأرض (أ ف ب)
Smaller Bigger

آه يا لبنان كم شعرت بالحاجة لمجالستك والحديث معك. لكن، كيف لسوري مثلي يقف على عتبة وطن مُدمّر، أن يتفلسف عن لبنان وخلاص لبنان. كيف لي، والسوريون يحاولون لملمة "بقايا وطن" من قعر ذاك الثقب الأسود؟

لكني، في عيد الاستقلال، أتجرأ على الجلوس إليك، فلديّ بعض البشائر. ولعلّي أسرق من روحك الحيّة القريبة بعضاً من أمل. ذلك أني أكتب، لعلّ خلاص الدولة-الأمة اللبنانية، يُنير الطريق لخلاص أهلي السوريين المبعثرين أشلاء على عتبات الرعاع وأمرائهم اللئام. بل يبدو لي أن أية خطوة نحو خلاص لبنان وخلاص روحه الوطنية، هي تكريس لولادة وخلاص أمتي السورية بكل ما فيها من دراما الأرض والإنسان؛ فرغم كل آلامكم، يبقى طريقنا أكثر تعثراً بكثير، وقربانُ خلاصنا أبعدَ منالاً بما لا يقاس. 

على أطراف أصابعهم، وبحذر كبير، يتَلَقّط اللبنانيون، علّه يمكنهم، أن يسرقوا لبنان من مخالب الثيران المتوحشة. لكن السؤال المُلحّ الذي يطرحه الثوريون على مدى عقود: هل حقاً لبنان مجرد بدعة من بدع سايكس- بيكو؟

منذ ولادته تصوّر أغلب اللبنانيين وطنَهم ملتقى للحرية والعلم والثروة. في حينه تموضع لبنان بقوة في الإقليم، ليصبح نافذة يتنفّس منها التحضّر، وليثبت دورَه وحضوره اقتصادياً وثقافياً وسياسياً. والأهم أنه برّر تميّز هويته. لا يُغفل ذلك رؤيتنا لعيوب لبنان وتناقضاته.

لكني لست هنا لأكتب شيئاً عن التاريخ، بل لأقول إن ما جرف لبنان بعيداً نحو الكارثة الراهنة، هو طوفان الحماقات الثورية الإمبراطورية والميليشيات العقائدية، بصيغها المختلفة، الدينية والقومية.

وفي حينه لم يتمكن الجسد الفتي للدولة الحديثة من تحصين نفسه، بل كسحته مشاريع الإمبراطوريات العقائدية، نقيضاً جوهرياً لمشروعها المدني الوطني الجامع. لتتلخص سيرة لبنان في حروب الإقليم: إن "شادي كان صْغيَّر" و"شادي ركض يتفرج" ثم "ضاع شادي". 

ليس في ذلك ملامة ولا انتقاص، بل إدراك لطغيان الخراب العقائدي الذي لم يكتفِ بإسقاط لبنان في الهاوية، بل دفع كبرى دول الإقليم نحو التداعي والفشل تحت وطأة الرسائل الخالدة، والخبل القيامي، والمشاريع الفوق والتحت وطنية إلخ...

لكن رغم عقود من الخراب، بقي لبنان يبحث عن روحه الدفينة، التي كادت تطفش من جسده النحيل زهقاً من نفاق رعاع السياسيين ومن تعفّن أمراء حرب. بل أزعم أن لبنان يُعيد تبرير وتوكيد وجوده الموضوعي كدولة ضرورية، كيف لا؟ ولو كان لبنان طارئاً أو مخترعاً لاقتلعت أولى العواصف جذوره من الأرض، ولاندثر موضوعياً، كما العديد من الدول الوظيفية الآيلة نحو الاندثار.

لو كان لبنان طارئاً، لما تجسدت في تلك اللحظة الدرامية كلمات مرسيل غانم يصرخ بملء فمه "تفوه" في وجه كل السياسيين المتواطئين يوم انفجار الميناء. إنها الحرية يا صديقي كالسكين في حلق هذا الكابوس مهما ثقل.

فقبل أن يفجر لبنان ثوراته المتتالية، كان التنوير يشعّ من أديرة الرهبان ومن المطابع اللبنانية، ليتبرعم من ذلك الجسد النحيل بعض من خير ما أنتجته ثقافة بلاد الشام. والآن، وحدها الحرية ستبقى روح لبنان هوية وضرورة. ورغم مرارة الشمولية في الإقليم، بقيت تجليات الحرية اللبنانية، تذكرنا بما تبقى من حلاوة في بلاد الشام. 

والآن يقف لبنان على حافة حقبة جديدة. عتبة مخاضٍ لأمل وميلاد لفرصة. ذلك أن بعض النجوم بدأت تتجمع وترتسم على جدران بئره العميق. فكيف يمكن للبنان قطافها؟ تطرح بشكل واسع مجموعة من الأسئلة حول المخاطر الكبرى التي تحيط بمخاض الأمل اللبناني الجديد. 

فبينما تتراكض إسرائيل وإيران وبعض آخر من دول الإقليم نحو مزيد من التعصب الديني والتطرف الثوري المتوحش ليغرقوا المنطقة في دورة جديدة من الحرب الأهلية الإقليمية الحمقاء، تبقى كلمة السر لخلاص لبنان هي التقدم الاجتماعي والتحضّر والسلام. نعم السلام!! السلام كشرط للسلم الأهلي، والسلام كشرط مسبق لتحقيق السيادة اللبنانية. 

ثم ماذا عن شروط العيش المشترك التي بقيت، غصباً، مجرد جمر تحت التراب؟ فلقد صُمم اتفاق الطائف تكريساً للفرقة بين اللبنانيين، وضماناً لإلحاق الدولة والوطن والمجتمع اللبناني بنموذج الدولة الريعية المحسوبية السورية. في حينه، تكيّف الساسة والتجار ورجال الأعمال اللبنانيون مع غلبة القوة الغاشمة السورية، ثم جاءت فوقها غلبة الإيرانيين وكل متاعهم. فلا حول ولا قوة إلا بالله.

فلقد سحبت موضوعياً، هزيمة "حزب الله"، وإحجام إيران عن وحدة الساحات، كل مبررات وذرائع أي سلاح خارج سلطة الدولة الشرعية في لبنان. ليصير السلاح خارج الشرعية اللبنانية مغامرة قاتلة في يد طائشة. 
لكن ما الذي سيفعله اللبنانيون الآن؟

أزعم الآن أن العودة إلى هكذا صيغ، من تقسيم العمل الاقتصادي والطائفي في لبنان، سيعيد إنتاج الاقتصاد السياسي للطائفية ويؤبد الأزمة ويهدد بتشرذم البلاد بشكل نهائي. ليس هذا فحسب، بل سيكرس عودة لبنان للتبعية بأشكالها المختلفة ويعيد إنتاج نموذج دولة الطائف، ليكون صك انتحار لما تبقى من بينة الدولة ومن شروط العيش المشترك.  بل أزعم أن بإمكان لبنان الآن أن يعود أفضل مما كان، مستقلاً، حراً، سيداً في الداخل ويعود ضرورة لكل دول الإقليم.

إذاً لا بدّ من عقد اجتماعي جديد يقوم على السلام والسلم الأهلي ولا يقوم على غلبة أي طرف. لكن هكذا عقد اجتماعي غير ممكن دون مساهمة ورعاية عربية. وحاجة لبنان للمساعدة العربية ليست بالمال ولا بالسلاح، بقدر ما هي دعم لعملية سياسية تنتج عقداً اجتماعياً بديلاً، يُكرس سيادة الدولة ويسحب سلاح الميليشيات ويتجاوز منطق الطائف ويكرس شروطاً جديدة للعيش المشترك. ليست هذه ضرورة لبنانية فحسب، بل هي حاجة عربية لتحصين لبنان وإغلاق أراضيه من أن تعود مرتعاً لشتى أنواع الميليشيات الساعية لتأبيد الصراع. بل أزعم أنه ما بين القوى اليمينية في إسرائيل وبين القوى الولائية والأذرع الإيرانية يبقى لبنان يدور في الحلقات المفرغة لتأبيد الصراع، ما لم يتحصن بصيغة وطنية جديدة. فكما أوضحت في مقال سابق، أرجح أن جلّ ما يُمكن أن تحققه إدارة الرئيس ترامب في الإقليم هو "سلام ما بعده سلام". بمعنى سلام يحفظ الجمر تحت التراب، لتعود دورة العنف في أقرب فرصة. 

فما لم تجنح المنطقة بأسرها نحو السلام، سيكون الرهان على انكسار صفري لإيران وهماً وخفة عقل، بل ستستمر إيران تسعى لفتح الصراع في لبنان.

فهل تتبلور عزيمة ومبادرة النخب السياسية اللبنانية لإنقاذ البلاد وإغلاق الجرح اللبناني أمام عبثية المليشيات؟ لعلي اليوم أكثر تفاؤلاً رغم الدراما اللبنانية المشتعلة. لكن دور العرب في اليوم التالي يبقى جوهرياً!