الانتخابات النيابية: بين الشرعية الشكلية والسيادة المفقودة

مقالات 03-02-2026 | 05:20
الانتخابات النيابية: بين الشرعية الشكلية والسيادة المفقودة
قانون الانتخاب الحالي قانون خلافي، لا يحظى بقبول غالبية النواب، وهو ثمرة مساومات بين الكتل الكبرى هدفت إلى التحكم بالصوت التفضيلي، وسط دوائر متفاوتة الأحجام والأهمية
الانتخابات النيابية: بين الشرعية الشكلية والسيادة المفقودة
الانتخابات (تعبيرية).
Smaller Bigger

البروفيسور طوني عطاالله

عميد المعهد العالي للدكتوراه في الحقوق والعلوم السياسية 
والإدارية والاقتصادية سابقًا في الجامعة اللبنانية

ليست الانتخابات النيابية مجرد إجراء دوري لتجديد السلطة، بل هي التعبير عن السيادة الشعبية في الدولة الدستورية. وهي استحقاق دستوري لا يجوز الاستهانة به أو تعطيله بلا أسباب جسيمة وموجبة. شكك العديد من النواب خلال مناقشات موازنة 2026 بأن الظروف غير متوافرة لإجراء الانتخابات حتى أن البعض جاهر بأنه سيتقدم باقتراح قانون لتأجيلها سنة أو إثنتين. السؤال المطروح في لبنان ليس: هل يجب إجراء الانتخابات؟ بل هل يمكن إجراؤها من دون المساس بالشرعية وبجوهر السيادة؟ وأمام هذا السؤال، يبرز خياران: إمّا إجراء الانتخابات احترامًا للشكل الدستوري، وإمّا إرجائها مؤقتًا لعدم قدرة الدولة وحفاظًا على مضمون الشرعية.

ينطلق الخيار الأول من فكرة بسيطة: الانتخابات واجب دستوري، وتأجيلها يزعزع الشرعية ويفتح باب الفراغ والتمديد غير المشروع. يبدو هذا المنطق سليمًا من حيث الشكل، لكنه يفترض ضمنًا توافر شروط الحرية والمساواة والنزاهة. تكمن هنا المعضلة الكبرى. في ظل وجود دولة رديفة، تستطيع بكوادرها اللجوء إلى وسائل خفية ضد المعارضين: فتح ملفات ملفّقة، تحريك دعاوى انتقائية، أو ممارسة ضغوط قضائية واقتصادية وإدارية غير مرئية. هذه الأساليب لا تُرصد بمحاضر ضبط ولا تُسجّل كمخالفات تقليدية، لكنها تفرغ الانتخابات من مضمونها الحر.

يُطرح هنا سؤال جوهري: كيف يمكن لهيئة الإشراف على الانتخابات أن ترصد هذا النوع من الترهيب المستتر في ظل وجود تنظيم مسلح يعلن الحرب والسلم وموصوف في معظم دول العالم بالإرهاب؟ كيف يمكن ضبط ضغوط تمارس خارج مراكز الاقتراع، في القضاء والإدارة والإعلام والاقتصاد؟ الواقع أن الرقابة تصبح شكلية، وتتحول الانتخابات إلى عملية تقنية بلا ضمانات فعلية.

أما الخيار الثاني، وهو تأجيل الانتخابات في الظروف الراهنة، فينطلق من مبدأ أعمق: الشرعية ليست في احترام الشكل وحده بل في احترام الجوهر. عرف الفكر الدستوري هذا المنطق، كما في الدستور الفرنسي في ظل الجمهورية الثالثة (1875-1940)، وحتى الرابعة (1946-1958) حيث مُنع أي تعديل دستوري في ظل الاحتلال. القاعدة هناك كانت واضحة: لا إصلاح ولا تغيير في بنية السلطة في ظل فقدان السيادة حمايةً للشرعية والسيادة الوطنية. لا يقتصر هذا المنطق على تعديل الدستور، بل ينسحب على أي تغيير جوهري في التوازنات السياسية، ومنها إعادة رسم خريطة الكتل النيابية على اعتبار ان الانتخابات هي إجراء دستوري أو يرقى إلى المصاف الدستوري.

***