السنة الجديدة: كروان وزيتونة وعلَمُ لبنان

كتاب النهار 03-01-2025 | 06:30
السنة الجديدة: كروان وزيتونة وعلَمُ لبنان
كان بيتي خاليًا إِلَّا من صدًى يملأُ كياني بطفولة ولَدي الوحيد بعدما سَرَقَتْهُ مني أَميركا في صباه، وبقيتُ موعودًا أَن يعودَ لي ذات يومٍ ويَمحو الصدى ويَجيئَني صوتُهُ مَلْوَ البيت من جديد..
السنة الجديدة: كروان وزيتونة وعلَمُ لبنان
Smaller Bigger

كان بيتي خاليًا إِلَّا من صدًى يملأُ كياني بطفولة ولَدي الوحيد بعدما سَرَقَتْهُ مني أَميركا في صباه، وبقيتُ موعودًا أَن يعودَ لي ذات يومٍ ويَمحو الصدى ويَجيئَني صوتُهُ مَلْوَ البيت من جديد..

ويومَ سَرَقَتْهُ من قلبي ذبحة قلبية قاتلة في أَميركا قبل أَسابيع، خطَفَتْ مني وَعدَه بأَن يَجيئَني صوتُه ليمحو الصدى، فلم يبقَ لي إِلَّا صدى طفولته يملأُ هذا البيتَ في غرفه وممرَّاته وزواياه، وبقايا صُوَرٍ في غرفته كان عَمَّر بها "مملكتَه" لأَبطالٍ يحبُّهم..

***
وبين الصدى الحافي للوَلَد والصوت الغافي إِلى الأَبد، صار بيتي خاليًا أَكثر، وصرتُ في حاجة سمعية إِلى صوتٍ يؤْنس وَحدَتي وَوَحشتي وحُشاشتي، فلَجأْتُ إِلى كَرَوَان (كوكاتيل) يرافقُني طيلة النهار بتغريداته الببَّغائية: أَدخلُ لأَكتب فيستقبلُني بتغريدة.. يتابعني أَكتب فيُهنْدسُ تغريداته وَفْق إِيقاع أَصابعي على مكابس الكومبيوتر.. أُدير موسيقى كلاسيكية أَو رحبانية - على عادتي وأَنا أَكتب - فيتغاوى بجناحَيه الأَصفَرَين الزَغْبَين كما غوى سيدة جميلة تُتقِن رقصة الفالس في حنان ذائب وأُنوثة مُذيبة.. اعتاد حضوري وصوتي: أُجالسُه يُحدِّق بي... أُخاطبُه يغرِّد لي... أُزْقِمُهُ حبوبَه الخاصة فيغْرِز في كفِّي منقادَه المعكوف ويتناولُها بنَهَمٍ أَليف، ثم يرتجلُ جناحيه فرَحًا فيَطير إِلى غُصَيْناتٍ متفاوتةِ الطُول والعُلُوّ في قفَصه الواسع العالي.. ويَحدُث لي أَن أُوقفَ الكتابة وأَتأَمَّلَه: هل حقًا قفَصُه هذا واسعٌ وعَالٍ؟ أَلَم يولَد كي يكونَ له الفضاءُ كلُّه واسعًا وعاليًا؟ وهل هذا قفَصٌ أَم سجْن أُقْفلُه عليه أَنانيًّا كي أَتمتَّع بتغريداته ولو مبحوحةً داخل القفَص/السجن؟ وأَنا؟ أَلستُ مثله مسجونًا في هذه الحياة المربَّعة الحدود المستطيلة السُدود المدوَّرة القيود؟ أَلسْتُ أَنا مثلَه سجينَ قفَص العمر يتمتَّع بحياتنا قدَرٌ خفيٌّ لا يَظهر إِلَّا عند النزاع الأَخير؟