المبادرة السعودية الذكية!
بدا الوعي بموضوع ازمة المناخ بشكل محدود وخجول في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، وتحول الامر بالتدريج عملا ممنهجا يتضمن تأسيس جمعيات وهيئات وأحزاب سياسية متخصصة شكلت مع الوقت قوى ضغط مؤثرة في أروقة صناعة القرار السياسي في دول الغرب وفي المنابر الإعلامية المختلفة فيه.
بدأ الوعي بموضوع أزمة المناخ بشكل محدود وخجول في حقبة الثمانينات من القرن الماضي، وتحول الأمر بالتدريج عملاً ممنهجاً يتضمن تأسيس جمعيات وهيئات وأحزاب سياسية متخصصة شكلت مع الوقت قوى ضغط مؤثرة في أروقة صناعة القرار السياسي في دول الغرب وفي المنابر الإعلامية المختلفة فيه. ومع مرور الوقت بدأ الاعتماد على الاحصاءات والبيانات التي تظهر بدايات التغيير المناخي وأثر ذلك في البيئة، وانضم الى هذا الحراك القطاع الأكاديمي من جامعات وكليات ومعاهد ومراكز بحثية محترمة تقدم هي الأخرى بدورها الدراسات والأبحاث التي تضيف صدقية مهمة الى كل ما سبق التحذير منه.
وبدأت الدول الصناعية تشعر بالحرج من نمو الصوت البيئي في الساحتين السياسية والشعبية، فبدأت بدعم مؤتمرات لبحث المشكلة وتقديم الحلول، ولعل أشهرها كانت مؤتمرات كيوتو في اليابان وريو في البرازيل وباريس في فرنسا. ولكن الدول الصناعية، وهي السبب الأول للتلوث البيئي والناتج من ماكينة انتاجها الاقتصادي، كانت تبحث عن جهات "مناسبة" لتوجيه اللوم لها. فبدأ الحديث وبتركيز شديد على "مسؤولية" و "أدوار" الدول المنتجة للنفط في أزمة المناخ العالمي وضرورة "أن تتحمل تبعات ما تسببت به". وبدأ الترويج لعقوبات بحقها وضرائب كربونية وإجراءات تعسفية أخرى، وخلال كل هذه الفترة لم يكن أمام الدول المنتجة للنفط سوى التصريحات الدبلوماسية التي توضح النفي التام عن مسؤولية هذه الدول في ما يخص أزمة المناخ وفي الكثير من الأحيان كان هناك نفي صريح لأزمة المناخ العالمي والتشكيك التام في كل البيانات والاحصاءات التي يتم الاستناد اليها، وكانت في ذلك الموقف تعتمد على وجود مواقف مثيلة للتيارات اليمينية السياسية في الغرب والمدعومة بالموقف نفسه لكبريات الشركات الصناعية والتي أنفقت ملايين الدولارات لتفعيل قوى ضغط سياسية لتقديم سردية علمية وسياسية معاكسة تماماً لتلك المعتمدة في رواية أصل أزمة المناخ العالمي وأسبابها.
ولكن اليوم تفاجئ السعودية المنتج الأكبر للنفط في العالم المجتمع الدولي بمبادرة بيئية جريئة وطموحة وذكية أطلقت عليها مسمى"مبادرة السعودية الخضراء" والتي ستشمل باقة في غاية الأهمية من الحلول والالتزامات والتشريعات التي ستحدث أثراً بيئياً إيجابياً ملموساً وقابلاً للمراقبة والقياس في خلال فترة زمنية قصيرة للغاية. ولم تكتفِ السعودية بمبادرتها المهمة التي تضمنت التزامها وصولها الى نقطة الحياد الصفري بحلول 2060 والتزامها خطة تشجير عملاقة وغير مسبوقة في التاريخ المعاصر وذلك بزراعة 450 مليون شجرة ومن ثم إعادة تأهيل ما يبلغ 8 ملايين هكتار من الأراضي المتدهورة ليكون مجمل المناطق المحمية ما يزيد على 20 في المئة من إجمالي المساحة الإجمالية للمملكة العربية السعودية. لم تكتفِ السعودية بمبادرتها هذه ولكنها قدمت معها مبادرة "الشرق الأوسط الأخضر" والتي أبدت مجموعة غير بسيطة من دول المنطقة حماستها لها واستعدادها للانضمام اليها لتحدث الأثر الإيجابي والفعال والمؤثر في أكبر رقعة جغرافية ممكنة في منطقة الشرق الأوسط وهي مبادرة فيما لو نجحت ستكون أكبر إنجاز أممي أخضر وبيئي من نوعه يخرج من كونه مجرد شعارات ترفع ووعود تطلق الى التزامات مقيدة بأرقام ومدد زمنية واضحة الملامح.
شركات النفط والدول المنتجة له كانت ولفترة طويلة جداً تقف عاجزة في قفص الاتهام في ما يتعلق بموقفها من أزمة المناخ العالمي واليوم للمرة الأولى نرى فكرة جديدة استباقية ذكية تطلقها أكبر دولة منتجة للنفط بإطلاق المبادرة البيئية الأكبر من نوعها في التاريخ المعاصر ما يضع السعودية في موقع المبادر المهاجم الذي تمكن من رفع سقف الممكن والمطلوب في ما يتعلق بأزمة المناخ العالمي. وهو موقف أقل ما يقال فيه إنه جديد ومختلف.
تدرك السعودية الجديدة دورها وموقعها ومسؤوليتها كدولة من ضمن مجموعة العشرين وتدرك موقعها القيادي في أسواق النفط وفي منطقة الشرق الأوسط والمبادرة التي اطلقتها تأتي ضمن هذا الموقع، ولكن الأهم أن هذه المبادرة تحقق المطلب السعودي الذي تردده في ما يخص أزمة المناخ العالمية بأن تكون الحلول عادلة على الجميع وليس تحميل طرف دون آخر كما كان يقترح دوماً بأن تكون الدول النفطية هي "وحدها" المسؤولة. واليوم بهذه المبادرة تثبت السعودية أن هناك حلولاً أخرى ذكية ومسؤولة للمشكلة العالمية الكبيرة.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال
5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
كتاب النهار
5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان
5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
نبض