قطاع الغاز الطبيعي في لبنان: تحديد المخاطر وقابلية التعامل معها أهمّ من الصندوق السيادي

منبر 14-08-2023 | 00:00
قطاع الغاز الطبيعي في لبنان: تحديد المخاطر وقابلية التعامل معها أهمّ من الصندوق السيادي
قطاع الغاز الطبيعي في لبنان: تحديد المخاطر وقابلية التعامل معها أهمّ من الصندوق السيادي
الغاز الطبيعي.
Smaller Bigger

زاهي جبرائيل*

الوقود الأحفوري ومن ضمنه الغاز الطبيعي هو مادة ناجمة عن انكسار بالدورة الكربونية. فالمواد العضوية الميتة تكون ما تأكسدت كفاية في عودتها الى ثاني أوكسيد الكربون. هذا يحدث بعوامل طبيعية ودور فاعل للضغط والحرارة وأنواع البكتيريا والمدة الزمنية الوافية. معظم هذا التسرّب أو الانكسار حدث في أعماق البحار والأجسام المائية وفي طبقات جيولوجية خاصة فيتكوّن الوقود الأحفوري والغاز الطبيعي منه. هذا التكوين يحدث في مكان ويسافر عبر طبقات ميسرة الى مكان آخر حيث يتجمّع مصطدماً بأجسام طبيعية توقف رحلة انتقاله... تبدأ الدراسات لأحواض بمساحات شاسعة وتتوسّع أكثر في طبقات محصورة ومن هذه الطبقات يتم التركيز على المنطقة التي يظهر فيها الخزان الجيولوجي حيث تظهر الإمكانية الكبيرة لتراكم الهيدروكاربون. ولتطبيق هذا على ما يحدث عندنا وفي محيطنا، تم التكوين في دلتا النيل وشمال أفريقيا وسافر الوقود الى أن تجمّع في حوض كبير هو الحوض المشرقي في البحر المتوسط، وتظهر الحقول تباعاً في هذا الحوض فظهر حقل تامار وحقل كاريش وحقل قبرص أ وحقل أفروديت وغيرها وحقول لم تُستكشف تجارياً بعد في المناطق الاقتصادية في لبنان وشمال سوريا.

ما هو الغاز الطبيعي؟ الغاز الطبيعي يخرج من فوهة البئر غاز مضغوط لا لون ولا رائحة له بمعظمه يتألف من غاز الميتان النقي الاحتراق (70-90%) ممزوجاً بعدة أنواع من الغاز الأقل نقاءً، إضافةً إلى بخار الماء ومواد كيميائية أخرى وبعض الشوائب. بالمعالجة يتم التخلص من المواد المزعجة في هذه التركيبة لنحصل على الغاز الطبيعي الذي يماشي الخصائص المطلوبة في الاستعمال إن من حيث كمية الحرارة الممنوحة أو النقاء في الاحتراق أو عامل الأمان في النقل والتخزين والاستعمال. إذن الغاز الطبيعي الخارج من فوهة بئر الإنتاج، بعد تجميعه وتنقيته من الشوائب، أمامه الاحتمالات الثلاثة: إما يذهب الى شبكة من أنابيب النقل لغاية التخزين الباطني أو للسوق الاستهلاكية، وهذا احتمال، أو كاحتمال ثانٍ يذهب إلى معامل تحويله إلى وقود سائل كغاز أويل نظيف بإعادة تشكيل في جزيئاته، وهذا ممكن في معامل ذات تقنيات عالية جداً وموجودة بعدد قليل في العالم ومنها معمل الجوهة لشركة شل في قطر. وأما الاحتمال الثالث والمهم والذي يتوسع في العالم فهو في تسييل الغاز الطبيعي في معامل من خلال تبريده الى درجة (-162) سلسيوس، وبهذا يسهل نقله وتخزينه وتوزيعه، وهذا له انعكاسات مهمة على الجغرافيا السياسية لسوق الغاز الطبيعي.

لا نستطيع التكلم عن صناعة تسييل الغاز الطبيعي وإغفال ذكر الناقلات العائمة الضخمة التي تقوم بتخزين الغاز السائل مع إمكانية معدّاتها لإعادة تغويزه. هذه المنشأة العائمة التي قد يبلغ طولها 300 متر بسعة تخزين 170 ألف متر مكعب من الغاز الطبيعي السائل ملحوظة في خطة الطاقة في لبنان لاستقدام منشأة أو اثنتين وموضعتها في أماكن ما زالت إلى الآن مكان جدل سياسي لا تقني.

كل ما تكلمنا عنه أعلاه عن صناعة الغاز الطبيعي يترافق مع مخاطر كبيرة وسريعة الوقوع وهذا ثابت في إحصاء 300 حادث كارثي في خط صناعة الغاز الطبيعي عبر العالم خلال السنوات الثلاثين الأخيرة (الاستكشاف، الاستخراج، التوزيع، التخزين، المعالجة ومعامل الطاقة). أسباب هذه الحوادث إما عوامل طبيعية أو فشل تقني أو مشاكل صحّية بين الأطقم العاملة أو خطأ بشري وهو الأهم والأكثر نسبة في التسبّب بهذه الحوادث. يضيق هنا المكان للتكلم عن هذه الحوادث وأكتفي بالإضاءة على المنشآت العائمة للغاز الطبيعي السائل والخزان الكبير للغاز السائل ومصنع إعادة تغويزه لضخه في شبكة التوزيع. في لبنان ليس من بنية تحتية لضخ الغاز الطبيعي بحالته الغازية، ومن الصعب بمكان تكوين شبكة كهذه لتوزع المناطق الصناعية بطريقة عشوائية. فقط لمصانع الكهرباء هذا ممكن، أما بقية المصانع والمنشآت الكبيرة فمتى تحولت لاستعمال الغاز كطاقة بديلة فسيصلها الغاز الطبيعي بحالته السائلة عبر صهاريج خاصة. إذن هذه المنشأة العائمة التخزينية التحويلية للغاز الطبيعي التي سترسو في مكان ما قبالة شواطئنا ستضخ الغاز الطبيعي بحالته الغازية لمصنع (أو مصانع) الكهرباء، وستُفرغ إضافةً الغاز الطبيعي السائل إما في ناقلات بحرية صغيرة توزعه على خزانات أرضية ومن ثم صهاريج متخصصة تنقله أينما كان في البلاد، مع احتمال ضئيل وخطير، وفي لبنان كل شيء ممكن، في تعبئة الصهاريج مباشرةً من الناقلة العائمة العملاقة. في كل هذه العملية نسبة الخطر بتسرب الغاز الطبيعي السائل مرتفعة جداً.

والغاز الطبيعي السائل بحرارته المنخفضة (-162) درجة سلسيوس ما إن يتسرب ويرتطم بالماء أو الأرض ذات الحرارة العالية نسبةً لحرارته حتى يتبخّر سريعاً ويشكل غيمة غازية خطيرة قابلة للتفجر والاحتراق، سرعة انتشارها تبلغ 16250 متراً مربعاً خلال خمس دقائق، وانتشار هذه الغيمة يخضع للحرارة والضغط الجوي وسرعة وتيارات الهواء، وهذا لا يمكن تحديده إلا عبر أنظمة أو برمجة إلكترونية فائقة التطور لا يجيدها أي كان.

إن التعامل مع أخطار صناعة الغاز الطبيعي مستحيلٌ أن يكون ارتجالياً دون إعداد مُسبق من غير تحديد نوع الخطر ومسبباته، وهذا علم وتقنيات بحد ذاته. وفقداننا للآن لهذا العلم وهذه التقنيات ودون أن يكون لدينا قسم وطني متخصّص في المخاطر جعلنا في انفجار المرفأ غير الاعتيادي نفقد خيرة شبابنا في فوج الإطفاء. بكل ارتجال دفعنا خيرة شبابنا للتوجّه الى مكان الخطر لإطفاء النار دون أن نحدّد الخطر وما سببه وتحديد كيفية التعامل معه. لو كان لدينا يومها أي ذهنية متخصّصة في هذا المجال لكان الأجدى على وجه السرعة دعوة الناس للإجلاء وأخذ الحيطة على وجه السرعة والتواصل مع الجهات الدولية المتخصّصة للمساعدة في كيفية التعامل، وما حدث يندرج في باب الخطأ البشري والفشل التقني.

ونحن على عتبة الدخول في صناعة الغاز الطبيعي والمخاطر التي قد تنجم عنها، لنتّعظ مما صار معنا في انفجار المرفأ ونعمل مسبقاً على تكوين قسم وطني متخصّص في تحديد المخاطر مع قابلية التعامل معها. مهماته الجمع المُسبق لأكبر قدر من الداتا ونتائج المسح الميداني المستمر وتحليل هذه المعطيات ووضع الحلول والخطط المسبقة لأي مخاطر قد تنجم مع نشر هذه الخطط والحلول في إعداد الفِرق الخاصة والعامة بجهوزية تقنية علمية للتعامل الفوري مع أي مخاطر قد تنجم مع القدرة على تحديد الاحتمالات واتخاذ القرارات السريعة الصائبة مع ملاءمتها مع الحلول المُسبقة الموضوعة وتنفيذها بحرفية نكون قد نفذنا مناورات مشابهة مُسبقاً. يكون هذا القسم على اتصال بكافة القطاعات المحلية ذات الصلة من رسمية وخاصة وأكاديمية وجمعيات أهلية، وعلى اتصال مباشر بالجهات العالمية المتخصصة في هذا المجال. لا تكون غرفة عمليات هذا القسم في وزارة الطاقة ولا في هيئة إدارة البترول لعدم جهوزيتهما، بل في غرفة عمليات الجيش اللبناني للإمكانيات التقنية واللوجستية والدقة والانضباط السلوكي في تنفيذ المهمات من كافة القطاعات البحرية والبرية وخصوصاً سلاح الجو، ولمديرية التعاون العسكري المدني التي هي على تواصل متين مع المجتمع اللبناني كما مع جهات دولية مدنية عسكرية متخصصة دور كبير بالتنسيق مع مديرية المخابرات في تهيئة الجو العام وتأهيل الجمعيات المدنية للتعامل مع المخاطر الكبيرة عبر برامج إعدادية. كل هذه الخطة يمكن تمويلها من التقديمات الاجتماعية لشركات النفط، وهذه التقديمات إن لم يوضع لها إطارٌ قانوني، ويُطَبَّق، فستصبح هدايا ترضية لفلان وعلتان.
لكل ما ورد أعلاه تكوين قسم وطني متخصّص في تحديد المخاطر مع قابلية التعامل معها هو أهم حالياً بكثير من تشريع صندوق سيادي فارغ ولا نعرف إن كان سيمتلئ والسوس ينخر حوائطه.

*متخصّص في الدراسات البترولية منذ 1983