في إحدى الأمسيات الجميلة من العام الماضي، قبل تفشي جائحة "كوفيد-19"، اجتمعت مع مجموعة من الأصدقاء، وكان أحدهم يقرأ كتاب "العاقل: تاريخ مختصر للنوع البشري" للكاتب الإسرائيلي يوفال نوح هراري بالنسخة العربية منه، وهو الكتاب الذي حطّم أرقام المبيعات حول العالم وتصدّر قوائم المبيعات بمختلف اللغات. التفت إليه أحد الحضور وقال له بنبرة فيها خليط من الجدية والمزاح: "أنت من المطبعين على ما يبدو؟"، فرد عليه بنبرة حادة قائلاً: "أنا مثلك تماماً وأنت الذي استخدمت تطبيق "فايبر" الإسرائيلي الصنع للتواصل مع ابنك في ألمانيا". علق شخص ثالث على الحوار بالقول: "لقد وقعتما في التطبيع الأصغر".
تذكرت هذا المشهد وأنا أتابع ردود الأفعال المتباينة على اتفاق السلام الأخير بين كل من الإمارات العربية المتحدة والبحرين مع إسرائيل، وعدت بالذاكرة لسردية القضية الفلسطينية منذ نشأتها التي قرأت عنها في كتب التاريخ والسير الذاتية أو الحقبة التي عايشتها ومبادرات السلام التي تخللتها. منذ قرار التقسيم الأول لأرض فلسطين لمنح جزء بسيط منها لليهود والباقي للفلسطينيين العرب، لم يدرك الكثيرون أن هذا المشهد كان أحد المشاهد التي أقرتها خريطة الشرق الأوسط الجديد التي رسمها كل من الدبلوماسي البريطاني سايكس والفرنسي بيكو، والتي شهدت بعدها "ولادة واستقلال" دول مختلفة مثل لبنان وسوريا والأردن وغيرها.
كان أول من "قرأ" المشهد الجديد وطالب بالتعايش معه هو الملك الأردني الهاشمي عبد الله الأول الذي دفع حياته نتيجة هذا الموقف وتم اغتياله على أدراج المسجد الأقصى على يد فلسطيني متطرف. وبعد ذلك ولدت أنظمة جديدة وظّفت كل مواردها لاستغلال القضية الفلسطينية أسوأ استغلال، بقمع الحريات وتكريس الاستبداد. وصولاً إلى مشهد نكسة 1967 وتبعاتها، واحتلال سوريا للبنان ومحاولة "احتلال" من منظمة التحرير الفلسطينية لعمان وبيروت، إلى غزو العراق للكويت. ناهيك باستخدام بعض قيادات الفصائل الثورية المحسوبة على منظمة التحرير، مثل أحمد جبريل وأبو موسى وأبو نضال وأبو العباس، في أعمال إرهابية صريحة ضد دول عربية وأهداف مدنية دولية.
وخلال هذا الوقت، دخل على الخط نهج طائفي ثوري بغيض انطلق من الخميني في إيران وصولاً إلى حسن نصر الله وحزبه بلبنان، في تحد صارخ لأبناء فلسطين أنفسهم ومحاولة خطف القضية منهم لتكون باسمهم وقضيتهم، وهو الحزب نفسه المدان باغتيال رئيس مجلس وزراء لبنان والقيام بأعمال إرهابية في سوريا والعراق والكويت والبحرين والسعودية واليمن ولبنان طبعاً، ما تسبب في الأذى لقيمة القضية الفلسطيينة وممن يتحدثون باسمها. وخلال هذا الوقت، تنامى صوت أصولي في فلسطين ليحوّل المقاومة من مقاومة وطنية عربية خالصة، الى طرح ديني في أرض هي مهد المسيح، ليزداد المشهد الفلسطيني تمزقاً وتشتيتاً. وفوّت العرب على أنفسهم التعامل بجدية مع مبادرة السادات للسلام والتي أثبتت الأيام بُعد نظره وقراءته الصريحة للموقف، ولذلك تم اغتياله هو الآخر بعد "تخوينه" و"إخراجه" من جامعة الدول العربية. وظهرت "المقاومة من الباطن" في شكل "حزب الله" ومقاومته في لبنان عن سوريا التي بقيت مناطق جولانها المحتل أهدأ من منتجعات هاواي لأربعة عقود طويلة. كل ذلك أساء وأضر جداً بالقضية الفلسطينية، والإتجار بها للأسف لا يزال مستمراً. ليس الغرض هنا هو لوم الطرف الأضعف، ولكن من البديهي والضروري جداً أن تكون هناك قراءة نقدية ومراجعة تاريخية وجدية للقرارات الفلسطينية المرتبطة بالقضية عموماً.
هناك واقع جديد يتشكل في العالم عموماً وفي الشرق الأوسط تحديداً، وهموم أمنية واقتصادية ستحدد المسارات المستقبلية لذلك. القضية الفلسطينية تبقى القضية الوجدانية الأولى بلا شك، ولكنّ هناك خللاً سياسياً يقع فيه قادة السياسة في فلسطين مجدداً بالالتفاف مع قوى معادية للصف العربي (إيران) تماماً كما أيدوا صدام حسين في غزوه للكويت ذات يوم أسود. المشهد الجديد لم يبدأ مع تطبيع الإمارات والبحرين، ولكنه بدأ في احتضان الدوحة لإسرائيل كأول محطة لها في الخليج والاختراق الإسرائيلي الكبير للهند والقارة الأفريقية وأميركا اللاتينية والصين، وهي دول كانت تقاطع إسرائيل لمصلحة القضية الفلسطينية.
التحدي الأكبر للفلسطينيين سيكون بإبقاء القضية قائمة بمجهود ذاتي من الداخل، والرهان على الديموغرافية والوقت، والمسألتان لمصلحتهم. لأنه حتى اللحظة، ما لم يقر مجلس الأمن، المرجعية الدولية الأهم، أي تغيرات على أرض الواقع، فهي تبقى مخالفة صريحة لقرارات المجلس. وعليه، فالمعركة قانونية في المقام الأول أيضاً. ليس من المهم محاولة تفسير ما حدث بأنه كان اتفاق سلام أو اتفاق تطبيع، أما الأهم فهو التيقن بأن واقعاً جديداً قد حل يقتضي التعامل معه بخيره وشره.
بعيداً من الطرح التقليدي والشعارات الزائفة، تبقى القضية الفلسطينية قضية عادلة تاجر بها فاسدون ومخادعون.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال
5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
كتاب النهار
5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان
5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
نبض