لبنان و"الترمومتر" العربي!
ذاكرة التاريخ لا تنسى فهي تدون وتسجل كل المواقف والشخصيات بشكل قطعي، وبالرغم من الصراع الكبير والمعروف على هوية لبنان منذ نشأته قبل نحو مئة عام إلا أن عروبة لبنان بقيت دائما جزءا أساسيا من هذه الهوية، سواء بمحيط لبنان الجغرافي أم بتكوينه الإجتماعي أم بإرثه التاريخي.
ذاكرة التاريخ لا تنسى فهي تدوّن وتسجّل كل المواقف والشخصيات بشكل قطعي، وبالرغم من الصراع الكبير والمعروف على هوية لبنان منذ نشأته قبل نحو مئة عام إلا أن عروبة لبنان بقيت دائماً جزءاً أساسياً من هذه الهوية، سواء بمحيط لبنان الجغرافي أم بتكوينه الإجتماعي أم بإرثه التاريخي. وهذه الهوية اليوم باتت محل تهديد واضح وصريح بسبب "الاستعمار الإيراني" الحالي، والذي يعترف فصيل سياسي عريض بالإنتماء إليه بصريح العبارة، وليس هذا إنتماء وجودياً فحسب، ولكنه إنتماء عقائدي وعسكري وسياسي واقتصادي، اتخذ موقفاً معادياً من دول عربية كبيرة وكثيرة، ما أوقع لبنان في فخ تعريف الهوية مجدداً وأصبح عليه أن يعيش ذكريات أليمة مضت تتجدد اليوم مع أشباح اعتقد أنها دفنت إلى الأبد.
لبنان ذو الهوية العربية الذي كافح برهبانه وكنائسه حملات التتريك، وتحجيم اللغة العربية لمصلحة اللغة التركية، لبنان ذو الهوية العربية الذي ساهم بقوة في إنشاء أهم وسائل الإعلام في المشرق لمهاجريه ومواطنيه لنشر العربية بصحفها ومجلاتها ومعاجمها. لبنان الذي كان مركزاً للنشر والطباعة والتأليف لكل الأقلام والمفكرين وأصحاب الرأي في العالم العربي بأسره، وكرس في مدارسه ومعاهده وكلياته وجامعاته أهمية العلم وأهمية اللغة العربية وأهمية توفير هذا النوع من التعليم المهم والمميز للمحيط العربي بأسره.
كرس لبنان حضوره العربي وهويته العربية واعتزازه بالعربية عبر الكثير من المشاهد، وجاء ذلك في أشكال مختلفة مثل السائح العربي والمستثمر العربي والزائر العربي والاقتصادي العربي أو بنشر أفكاره وفنونه وآدابه ومسرحه وطربه بشكل أساسي ومستمر ومتواصل باللغة العربية، وفي هذا أكبر تكريس لهويته العربية. ولكن في السنوات الأخيره بدأت هذه الهوية تتآكل بالتدريج لمصلحة مشروع استعماري طائفي ثوري عدواني انتقامي بغيض، هو المشروع الإيراني السياسي المعروف باسم ولاية الفقيه الذي نشر ثورته وجعل لبنان مركزاً لهذه الطموحات للتصدير للعالم العربي.
هناك جيل بأكمله من العرب اليوم يشتاق لإيران "القديمة"، إيران التي كان العرب يشتاقون لزيارتها والانبهار بتمدنها وحضاراتها، جيل شاهد ابداعات حرفيي أصفهان وهم يبدعون في انتاج أجمل الخزفيات والثريات، وحائكي السجاد الاعجازيين في قم وتبريز وكاشان الذين أبهروا العالم بانتاج أعظم قطع السجاد الذي عرفته البشرية، ناهيك بالمطبخ الإيراني الذي يسيل له اللعاب ويغري الحالمين به ما بين صحن الرز البسمتي الإيراني ذي الرائحة الزكية والكباب السلطاني و "الجولو" و "البغلي بولو" وهي جميعاً أطباق شبه أسطورية لا مثيل لها في الثقافات الأخرى، وحدث ولا حرج عن الزعفران الإيراني الذي يجمل الأطباق والشاي والقهوة، ولا يمكن نسيان أصناف الحلوى المشكلة ما بين المن والسلوى وغيرها.
إيران الفنون والأدب لها هي الأخرى النصيب المهم في الوجدان للذواقة من العرب، فهم كونوا حالة من العشق مع مطربة إيران الكبرى غوغوش، وأدب عمر الخيام وجلال الدين الرومي وقصائدهما، والأصفهاني وابن المقفع والعطار وسيبويه، وكذلك انتاج الأفلام المبهرة لمخرجين عظام مثل سميرة مخملبوف وعباس كيروستامي. إنها مجرد أمثلة على ما كانت عليه إيران في الوجدان العربي، دولة مبهرة وناجحة تحولت دولة حاقدة وغاضبة ومثيرة للمشاكل والشغب والفتن والقلاقل جعلت من شعبها "الفخور" شعباً مهجراً وموضع شك دائم، كل ذلك تم ليكون الشعب هو الفدية أو الضريبة لأجل حكم مستبد بشعار "تصدير الثورة". المقارنة بوضع المنطقة قبل ثورة الخميني عام 1979 وما بعد ذلك كفيل بالاجابة عن النتائج التي جاءت تباعاً جراء هذا التغيير المريب في المنطقة.
في أوج الحراك السياسي اللبناني الخالص، سواء أكان لحظة الاستقلال أم مع وصول الرئيس الأكثر تمسكاً بالهوية اللبنانية كميل شمعون، ظل النظام السياسي في لبنان محافظاً على علاقات متوازنة مع الدول العربية بالرغم من وجود حالات تنافر مع بعض هذه الدول، إلا أن لبنان ظل على يقين وبشكل عملي من أهمية الحفاظ على علاقات اقتصادية وسياسية متوازنة ومحترمة ومستدامة مع الدول العربية. وظلت هذه القناعة مستمرة مع العهود الرئاسية الواحد تلو الآخر، فيها حرص على العلاقات اللبنانية مع العرب، وعدم القطيعة.
والآن يتابع كل مهتم بالشأن اللبناني ويستغرب ويسأل بقلق ما الذي حدث وأصاب الترمومتر العربي في لبنان، لماذا لم يعد بهذه الحساسية وسلم نفسه تماماً لمشروع استعماري يخرجه تماماً من محيطه العربي، بل ويحوّله بصريح العبارة إلى منصة عداء واعتداء على دول كثيرة لم يعد من السر ولا من الخافي علانية المشروع العدائي لها.
جيل جديد سيكبر في العالم العربي لا يعرف عن لبنان إلا الشكل الجديد له، وهو شكل مؤسف يسيطر عليه حزب لا يعرف سوى لغة التطرف والطائفية والدم والتشدد والكراهية، بعد أن عرف عن لبنان أنه كان مركزاً للفنون والآداب والتعلم والتجارة والتعايش. من الضروري أن يعرف العرب ماذا خسروا بخسارة لبنان حتى يمكنهم العمل بجدية على استعادته من أنياب السرطان الذي أصابه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال
5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
كتاب النهار
5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان
5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
نبض