يصف المؤرخ الأميركي المعروف، ذو الأصول اليابانية، فرنسيس فوكوياما، الثقة، بأنها الفضيلة الاجتماعية التي تبنى على قواعدها العلاقات بين الشعوب في شكل عام. ومنذ حصول الثورة الخمينية في إيران ووصول نظام الملالي الأصولي المتطرف والثوري الإنقلابي الى الحكم بمشروعه الطائفي، والذي يسعى إلى تصديره الى الغير، والعالم العربي مصاب بحالة مستمرة من انعدام الاستقرار واضطراب الأوضاع، كان أهم وأبرز ضحاياها ونتائجها بالنسبة إلى الدول العربية عموماً ودول الخليج العربي تحديداً هو كسر حاجز الثقة تماماً مع النظام الحاكم في إيران.
واستمرت الحوادث السياسية وتتالت تباعاً لتؤكد القلق والشك الذي تولّد في المحيط العربي جراء الأعمال والتصريحات والغايات المعلنة التي قامت عليها سياسات النظام الأصولي الطائفي الثوري المتطرف في إيران. وكانت السعودية أكثر الدول التي عانت وبشدة من التوجه المشبوه للنظام الجديد في إيران. منها أعمال إرهابية على أرضها، افتعال أزمات في مواسم العمرة والحج، تهريب المتفجرات والمخدرات والسلاح، تجنيد شباب للقيام بأعمال تجسس واعتداءات إضافة الى استهداف دول حليفة للسعودية بأعمال إرهابية تخريبية خطيرة جداً.
كانت العلاقات بين السعودية وإيران، قبل الثورة الخمينية الأصولية المتطرفة، تقوم على الاحترام والندية. كان هناك تبادل تجاري لافت ومؤثر جداً، وتمكنت المنتجات والبضائع الإيرانية من تبوؤ مكانة مميزة لدى المستهلك السعودي، فأصبحت المنتجات الإيرانية مثل الفستق والزعفران والرّز والسجاد والفسيفساء والحلوى تُطلب بالاسم، لا بل إن المطربة الإيرانية الاشهر "كوكوش" كانت لها شعبية في الكثير من البيوت السعودية المتابعة للفن... وسياسياً كان هناك تنسيق في تسويق النفط بين البلدين في شكل جيد يفيد كل طرف من دون الإضرار بالآخر.
اعتمدت إيران وفي شكل مركز على تدعيم الجماعات الطائفية الإرهابية المسلحة في دول مختلفة تحاصر السعودية جغرافياً وخلقت منظومة "فرانشايز". إرهابي ولّد فروعاً لتنظيم "حزب الله" وغيره فروعاً مختلفة حول العالم العربي ومن ضمنها كان أحدهم في الداخل السعودي باسم "حزب الله" وأخيراً تم الإعلان عن القبض على خلية مدربة وتدار بالكامل من قبل تنظيم "الحرس الثوري" الإيراني والذي يؤتمر من المرشد الإيراني شخصياً علي خامنئي.
هذا من دون التطرق إلى الحديث عن عشرات الصواريخ الباليستية الإيرانية الصنع والتي يشرف على إطلاقها خبراء من "الحرس الثوري" الإيراني، وهي التي تُطلق من اليمن باتجاه القرى والمدن السعودية والأهالي العزل الساكنين فيها، وطبعاً لا يمكن نسيان الاعتداء الإرهابي على منشآت "آرامكو" النفطية والتي كانت وراءها أسلحة وتخطيط وتنفيذ إيراني كما اتضح لاحقاً. وأدى هذا العمل الإرهابي وقتها الى أضرار بليغة في القدرة الانتاجية لعملاق صناعة النفط أثّر في خمسين في المئة من قدرتها الانتاجية، وبطبيعة الحال أثّر هذا الامر في الاسواق العالمية. وقد وصفت هذا الحادث وقتها في مقابلة تلفزيونية بأنها "الحادي عشر من سبتمبر السعودي" لخطورتها وفداحة الخسارة المترتبة من جرائها.
هذه الحوادث كانت مجرد أمثلة للاستدلال على حجم الثقة التي انكسرت في قلوب السعوديين من النظام الإيراني، وعليه فلا غرابة ولا عجب من التأكيد السعودي الأخير في الأمم المتحدة على ضرورة وأهمية وجود اتفاق دولي أممي شامل ودقيق حيال برنامج إيران النووي الغامض والعدواني بحيث يكون هذا الاتفاق أحد الأدوات الفعالة والمؤثرة لمنعها من الحصول على السلاح النووي المدمر ويعالج أيضاً سلوكها ومنهجها المزعزع للاستقرار في المنطقة والإقليم تحديداً وفي العالم بصورة عامة. والطلب السعودي هذا يأتي في السياق الطبيعي جداً في كيفية التعامل مع الدول المارقة والتي تهدد استقرار وأمن وسلامة الدول المحيطة بها تماماً كما تفعل كوريا الشمالية على سبيل المثال مع جارتها كوريا الجنوبية واليابان بالتهديد الدائم والصواريخ المقلقة التي يتم إطلاقها بين الحين والآخر، وعليه قرر المجتمع الدولي إخضاع النظام الكوري الشمالي لسلسلة من العقوبات الاقتصادية ومحاولة إلزامه باتفاق نووي جديد.
إنها الثقة متى ما تحطمت جرّاء الأفعال السلبية والعدوانية، فإنها لا تعود. للسعودية أسبابها العديدة والمقنعة والمحقة في تصنيف النظام الإيراني ككيان معاد ومعتدٍ وهو اليوم يشكل أخطر تهديد للأمن الوطني السعودي بلا منازع. ويتفق في هذا التصنيف النطاق الرسمي ويؤيد ذلك التوجه النطاق الشعبي أيضاً. وبالتالي تنظر السعودية بقلق متزايد إلى التقارب الصيني (وهي دولة نووية وعضو دائم في مجلس الأمن) مع النظام الإيراني خصوصاً في ما يتعلق بالاتفاقيات الأخيرة بين البلدين والمتعددة الأوجه وفي مجالات مختلفة قد تحل فيها الصين بديلاً تقنياً عن الروس في برنامج إيران النووي (خلافات الروس وإيران في إدارة الملف السوري لم تعد سراً وأثرت في العلاقة بين البلدين كما بات معروفاً).
إيران دولة مارقة تصدّر الإرهاب وتقلب الدول من الداخل وهذا من دون حصولها على السلاح النووي. منع إيران من الحصول على السلاح النووي ليس موضوعاً سعودياً فقط ولكنه يمس استقرار المنطقة والعالم لأن مجرد السماح بحصول إيران عليه سيفتح حرباً نوعية من سباق التسلح يُدخل المنطقة الى ظلام أكبر هي في غنى عنه.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال
5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
كتاب النهار
5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان
5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
نبض