اقتصاد المعرفة... التربية والنهوض
سبق ليوفال هراري، صاحب كتابي "هومو سابينس" و"هومو ديوس"، أن حذر من أن الخوف هو ان نصل الى 2050 مع بشرية منقسمة بين أغنياء جداً وسوبر بشر – هومو بيونيك- لديهم إمكانيات تتفوق على الكثيرين من الهومو سابينس العاديين الفقراء. ولقد بدأت الصين بتجارب التعديل الجيني على أدمغة الاجنة.
سبق ليوفال هراري، صاحب كتابي "هومو سابينس" و"هومو ديوس"، أن حذر من أن الخوف هو ان نصل الى 2050 مع بشرية منقسمة بين أغنياء جداً وسوبر بشر – هومو بيونيك- لديهم إمكانيات تتفوق على الكثيرين من الهومو سابينس العاديين الفقراء. ولقد بدأت الصين بتجارب التعديل الجيني على أدمغة الاجنة.
في كتاب، هل يقتل الذكاء الاصطناعي الديموقراطية؟ تخوف من تأخر أوروبا عن الصين وأميركا في مجال الذكاء الاصطناعي الذي سيصبح منبع كل السلطات في القرن الـ21. فالحرب الاقتصادية هي التي ستنظم بروز الحضارات المستقبلية.
وعندما نتحدث عن الاقتصاد لا نستطيع سوى أن نستعيد رهانات المراقبين في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين المتعلقة بسؤال: من سيسبق الآخر في النهضة والتطور، مصر أم اليابان؟ ففي ذلك الوقت كانت القاهرة في عز ازدهارها وكانت مركزاً للموضة في العالم، وكانت الاسكندرية المدينة الجاذبة عالمياً للتجار والمثقفين والشعراء ، فـ"كفافيس" الذي يعد من أكبر الشعراء اليونانيين، يُعرّف كيوناني – مصري وعاش فيها. وكان في إمكان مصر حينها اقراض المملكة المتحدة ما يعادل 17 مليار دولار لانتشالها من صعوباتها المالية.
فأين النمو والقدرات الاقتصادية أو العلمية اليوم في العالم العربي؟ وهو الذي يقع في اسفل مؤشرات التنمية وفي طليعة البلدان التي تعاني مجتمعاتها من الفقر والعنف والحروب وتصدير ملايين اللاجئين والأميين الالفبائيين، في وقت يتم فيه الحديث عن أمية رقمية. وأعداد الأميين في تزايد مستمر بسبب الحروب التي تشرد الاطفال العرب وتحرمهم من المدرسة. ناهيك بالأداء الاقتصادي المتدني والمعتمد على الاقتصاد الريعي والثروات الطبيعية، خصوصاً البترول الذي يعاني الآن من هبوط في الاسعار بسبب جائحة كورونا وركود التجارة العالمية والصناعة مع توقع استمرار الركود حتى لو انتهت مفاعيل جائحة كورونا قريباً، بسبب التخزين المتراكم الذي سيتطلب صرفه وقتاً طويلاً. ناهيك بتطوير مصادر الطاقة البديلة.
فأي مستقبل سيكون للمجتمعات العربية في عالم تتراكم فيه الى جانب الأميين، اعداد العاطلين عن العمل والعجز عن توفير الوظائف والاعمال للمواطنين.
هذا في وقت تذهب فيه التقديرات الى أن العمل سيصبح مسألة شائكة في عالم يتطور فيه الذكاء الاصطناعي والصناعات المعتمدة على البرامج الرقمية واللوغاريتمات. فالاقتصاد الرقمي سيخلق امكانات مذهلة ومهن جديدة يصعب تخيلها اليوم. لكن جزءاً مهماً من هذه المهن سيكون معقداً في شكل كبير لمعظم العاملين الحاليين. والشيء الأكيد أن تقسيم العمل بين الذكاء الاصطناعي والادمغة البيولوجية سيكون متحركاً باستمرار.
كل ذلك سيضع مراسينا ومرجعياتنا التقليدية موضع تساؤل، وستتخطى التغيرات العنيفة والسريعة، التي ستنفتح على كل المغامرات العجيبة الطبقات الشعبية. وسيتزود – عمالقة الرقمي – بسلطة سياسية متزايدة، ما ينتج عنها انقلاباً خفياً.
تتغير تراتبية الافراد والمؤسسات والعواصم والبلاد بسرعة جنونية، ما يولد قلة من الرابحين والكثير من الخاسرين.
كل ذلك يعطي افضلية كبيرة للأفراد المتمتعين بذكاء مفاهيمي قوي لادارة العالم المعقد الذي تبنيه: يغذي ذلك التآمر ونبذ النخب واحتجاج الخبراء. وتؤدي آلياً الى لامساواة متزايدة ومراكز تتكثف فيها الثروات حول عمالقة الرقمي، ما يغذي الشعبوية.
ولن يسمح هذا التطور بتقليل اللامساواة الفكرية لأن التعليم سيصبح مشخصناً لكل فرد بحسب قدراته، ما ينتج اختلافات لا تطاق لأن الدخول في اقتصاد المعرفة لا يحتاج الاشخاص الاقل موهبة.
كل ذلك غير مفهوم من قبل الانظمة التربوية، "نتكلم عن الغربية" التي تدفع اطفالها نحو المهن المهددة من نموها، ما يعد بكثير من السترات الصفراء.
ستبنى أراض مخصخصة – فضاء سيببراني – يعود لعماقلة الرقمي، ما يقلل من سيادة الدول الديموقراطية. بحيث ان السؤال المطروح على الغربيين انفسهم حالياً: هل سيتناقص عدد الاشغال في شكل مخيف بالنسبة إلى أعداد العاملين؟ ولا شيء سيعرّض المجتمع للااستقرار المباشر أكثر من مسألة العمل: ستنفجر اللامساواة الاقتصادية. ستتصاعد نسبة الاقتراع المحتج الأمر الذي يحمل الى الحكم احزاب "خيبات الأمل" المتطرفة.
الدول العربية لا تزال بعيدة عن هذه الفضاءات التي ترتسم على الصعيد العالمي، نحن ما زلنا في مرحلة كيف نبدأ ببناء انفسنا ومجتمعاتنا لنستطيع "الدخول" الى العالم في شكله الحالي، فما بالك بالمستقبلي؟
درس آسيا... كيف تطورت؟
عرفت النمور الآسيوية الصغيرة لشرق آسيا الاقصى، من تايوان وكوريا الجنوبية وهونغ كونغ، نمواً كبيراً انطلاقاً من الاعوام السبعين ارتبط بالنمو الياباني.
في عام 1980، كان المغرب أغنى بخمس مرات من الصين. 1075 دولاراً في السنة لكل مواطن مقابل 195. اصبحت الصين قوة عظمى علمياً، بينما بقي المغرب دولة فقيرة فيها 40 في المئة من الأمية عند النساء. فرنسا كانت 3 مرات أغنى من سنغافورة في عام 1970.
في عام 1960، كان لكوريا الجنوبية مدخول الفرد نفسه مثلها مثل الدول الفقيرة في إفريقيا السوداء ولم تلحق بالمغرب سوى في العام 1970. اليوم اصبحت عملاقاً تكنولوجياً في ميادين عدة مفتاحية من الميكروبروسيسور Microprocesseur المعالجات الدقيقة الى الشاشات والبرمجيات logiciels والهواتف الذكية والنووي.
من التسعينات في القرن الماضي خططت حكومة سنغافورة برنامج إعداد 20 الف مهندس في السنة بينما لا تمتلك، لا بترول ولا غاز ولا ثروات خاصة، خارج مينائها، وقد توصلت بفضل الالكترونيات – والمادة الرمادية لأدمغتها– إلى نسبة نمو 6 في المئة خلال سنوات عدة.
هذه الانقلابات الجيوسياسية لا شأن لها بالمصادفة، لكنها نتيجة جهود ضخمة في التوظيف التربوي والعلمي والتكنولوجي لبلدان شرق آسيا: سنغافورة، الصين، تايوان، هونغ كونغ، وكوريا الجنوبية. حصة الصين من الصرف العالمي على البحوث انفجرت: من 2 في المئة عام 1995 الى 23 في المئة اليوم، أي اكثر من أوروبا مجتمعة وتقترب من الولايات المتحدة. أصبحت بلدان آسيا الشرقية عمالقة علميين بينما وظفت بلدان أوروبا الجنوبية "إسبانيا، إيطاليا، البرتغال" بالكاد 1 في المئة من الثروة الوطنية الـ PIB – على البحث.
الصين لم تكن تساهم في عام 1975 سوى بـ 0,7 في المئة من التجارة العالمية، قفزت هذه النسبة عام 2007 الى 9 في المئة للصادرات و 7,4 في المئة من الواردات.
لا شك في أن الصين برهنت عن موهبتها في أخذ مكان الغرب في ميدان البحث. تشابكت جهود الشركات مع الحكومة في القطاعات الاكثر اهمية. وهكذا تضاعف عدد المجلات العلمية ما بين عامي 2012 و2016 من خمسة آلاف الى عشرة آلاف مجلة علمية سنوياً.
ما هي الدروس المستقاة من كل ذلك؟ كيف تساعدنا التربية على الخروج من هذا المأزق؟ ربما تشكل لنا الحالة اليابانية نموذجاً قريباً، مرة أخرى، لتحوّل مجتمع تقليدي جامد إلى مجتمع متطور. يدعم الناقد الأدبي كوجين أن الإصلاح "في فترة الحكم الميجي" لم يحمل فقط التقنية لكن أيضاً حساسيات وطرق معرفية جديدة. وهو يعتقد أن فكرة الاصلاح كانت قبل كل شيء ثورة فكرية مدفوعة إلى حدها الأقصى. ومن أهم العناصرالمركزية لهذه الأسطورة ما يتعلق بحراك المعرفة، بالمعنى العريض، في خدمة الدولة. والأبطال الحقيقيون للدولة الميجية هم "تجار المعرفة"؛ أولئك الباحثون عن المعارف والطلاب الذين يذهبون إلى القارات الأخرى، والمربين مثل F. Yukichi الذي لم يحمل معه من رحلاته الحماس للعلم وللتقدم الغربيين فقط، لكن أيضاً المنظور الذي دفع بالفلاحين الشباب إلى العاصمة. فطوال القرن التاسع عشر، عمل العلماء اليابانيون على بناء البنية التحتية المفاهيمية والمادية والاجتماعية، لكي يستطيعون تأويل المعرفة وإنتاجها. لقد بحث اليابانيون عن "الغزو الثقافي" بأنفسهم ولم يخافوا من الثقافة الواردة بل جعلوها جزءاً من ديناميتهم الداخلية ومحفزاً لها.
فما الذي تقوم به مجتمعاتنا من أجل تخطي أوضاعها الراهنة؟ أين هي حركة الترجمة؟ ما هي وضعية التعليم والتربية في بلادنا؟
من هنا التشديد على دور التربية والتعليم. إن فكرة الإصلاح السياسي أو الاقتصادي تظل ناقصة ما لم تترافق مع إيلاء التربية ما تستحقه من العناية. وهنا أيضاً يمكن الاستعانة بالتجربة اليابانية. يكتب لوو، "أنه كان للإصلاح، في التجربة اليابانية، هدفاً آخر أساسياً، وهو إدخال أنظمة تربوية قوية وصلبة يتطلبها بناء الوطن. وتم البحث عن المعرفة في العالم أجمع. وهو يعتقد أن من بين أهم العوامل التي صنعت من اليابان قوة علمية وصناعية، الأهمية التي أولتها للتكوين المدرسي ومن ثم الجامعي للناشئة".
في كتاب "كلافال" الاساطير المؤسسة للعلوم الاجتماعية، مراجعة لكل التيارات الفكرية التي ساهمت في تأسيس العلوم الاجتماعية في الغرب، و متابعة لاسباب نهضته. يمكن استخلاص فكرة بسيطة من هذا الكتاب، وهي ان القوى التي حركت المجتمع لم تكن سوى أساطير بسيطة، أفكار حملها مفكرون تضمنت قيماً انسانية همّها خلاص الانسان في شكلٍ أساسي.
يعود الينا والى أنظمتنا التربوية، التي تتطلب على الأقل تأمين مقعد دراسي لكل طفل عربي، اعطاء القيم المتناسبة مع اهدافنا في الحياة للاجيال الجديدة، أي اعطاء أنظمة متناسقة قادرة على تحديد اتجاه معين للجهود المختلفة في المجتمع، يتعلق هذا بالمركز، بحسب شوماشر، الذي يسمح لنا بالتوجه الصحيح. المهم ألا يكون هذا المركز شاغراً ابداً، وأن يُملأ بنوع من سلم للقيم يسمح للإنسان بالتعرف على وجوده كإنسان على هذه الارض، وإعطاء معنى لهذا الوجود ووظيفة، في اطارٍ من الحرية التي تحترمه لإنسانيته بالذات.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
مجتمع
5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
نبض