دائماً ما تتكرر عبارة أن الأخوين رحباني مع السيدة فيروز صنعوا من خلال عروضهم المسرحية وإبداعاتهم الموسيقية لبنان مثالياً أسطورياً، حلماً من نسيج الخيال لا علاقة له بالواقع، لكنه حلم جميل وبديع سعى إليه الكثيرون بصدق وجدية وإخلاص. شخصياً أضيف الى تلك المقولة الخالدة أن مؤسسة "النهار" وصحيفتها العظيمة ومنذ تأسيسها على يد جبران تويني في الرابع من آب (أغسطس) عام 1933 وهي تسعى الى تأسيس وتزكية فكرة لبنان الحر السيد المستقل المبنية على الحياة المدنية واحترام القانون وتقديس العيش المشترك. حتى تحولت "النهار" في عهد ابنه الراحل الكبير الأستاذ غسان تويني منارة للحكمة ومنبراً للكلمة الحرة وساحة للفكر والأدب والفنون والرياضة والثقافة والاقتصاد والسياسة، تحترم وتجل كل الآراء مع الإبقاء على مكانة القانون والحرية والاستقلال والوطن في مواقع سامية.
ورسخت "النهار" رسالتها المؤمنة بحضارة لبنان وموقعه التاريخي وقدره بأن يكون تركيبة للتعايش بين الثقافات والأديان والطوائف، وجعلت من حروفها وكلماتها وصفحاتها منهاجاً يومياً لتكريس ذلك الأمر النبيل في أحلك الظروف السياسية وأدق الأوضاع الاقتصادية وأصعب الأوقات الأمنية. لم تحد عنه قيد أنملة رغم كل التهديدات والمصاعب التي واجهتها، وبقيت "النهار" تشرق كل صباح وديكها الأزرق يمنح قارئها الأمل في يوم جديد.
وتشرب هذا العشق المهني والتميز الاحترافي والشغف الإبداعي جبران تويني من والده الأستاذ الكبير غسان تويني. ولكن كان هناك شيء مختلف في جبران، فبينما كان غسان تويني جبلاً صامداً صلباً لا يتأثر ظاهراً بما يحصل حوله كان جبران بركاناً يثور، تشتعل في عينيه حرارة مشاعر كلماته قبل أن ينطق بها. كان جبران تويني على قناعة تامة وحقيقية بأنه في ساحة حرب مع أعداء بلاده وأعداء فكرة لبنان التي تربى عليها وعاش لأجلها ويحلم بها، وأن سلاحه الوحيد في هذه المعركة المجيدة هو القلم والكلمة التي يسطرها.
ولم يأبه لنصائح أصدقائه وزملائه ومخاوفهم ومطالبتهم له بأن يخفف من حدة ما يطرحه، فيجيبهم "مستحيل، هذه معركة وجود". وتحولت معه "النهار" إلى المنبر اللبناني الأول والأهم وصوت فئة الشباب الوطني بمختلف أطيافه وطوائفه لمواجهة طيور الظلام وأعداء البلد.
تحول جبران تويني مع الوقت قائداً ملهماً لجمهور الشباب الذين وجدوا فيه ضالتهم كزعيم وطني صادق يقول ما يفعل ويفعل ما يقول وكبرت أعداد من يتابعون لقاءاته وندواته وخطاباته باهتمام وشغف غير بسيطين. وبات جبران في موقع سياسي لم يختره، فالرجل كان خطيباً مفوهاً وصاحب حضور وكاريزما لا يمكن انكارها أبداً. وزادت التهديدات بحقه مع ارتفاع شعبيته وفعالية تأثير خطابه السياسي في الناس، وكثرت بالتالي أعداد الخصوم حتى كانت اللحظة السوداء التي قضى فيها جبران تويني بتفجير عبوة ناسفة في عمل إرهابي جبان. لم يقدروا على مواجهة جبران تويني، أرعبهم فقتلوه. رحل شامخاً وبقي خالداً في قلوب محبيه.
في ذكرى رحيل جبران تويني نتذكر الرجل الشجاع، الوطني المخلص، المهني المحترف ونعلم أن إرثه الذي تركه يسري في عروق ابنتيه وعلى صفحات "النهار" وحبرها.
في ذكرى رحيل الكبار يدرك أحبابهم أن ذكراهم العطرة باقية وأن رحيلهم المؤلم والمبكر لم يكن سدى. رحل جبران وبقيت كلماته تدوي وتذكر الناس بأن كل طلعة يطلع فيها "النهار" يتجدد الأمل مع لبنان وعد به الرحابنة وخطه عبر عقود من الزمن آل تويني ودفع ثمنه بحياته الراحل الكبير جبران تويني.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال
5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
كتاب النهار
5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان
5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
نبض