10-01-2023 | 14:30

"ما منتلاقى إلا وقت اللي منتودّع!"

مض أكثر من عشر سنوات وأكثر منذ آخر مرة كنت فيها في العاصمة اللبنانية بيروت، تلك المدينة الاسرة التي عرفت عنها الكثير منذ أن بدأت مراحل التعليم الدراسي في المرحلة الابتدائية وذلك في مدرسة المروج بجوار السفارة الكويتية ومدينة الملاهي المعروفة بإسم "الكوكودي"، وبعدها إنتقلت إلى مدرسة أخرى كانت تعتبر إحدى قلاع العلوم والتعليم والمعرفة في منطقة الشرق الأوسط باسرها واقصد هنا مدرسة برمانا. تلك التجارب التي فتحت عيني على تجربة التعايش بالمعنى الحقيقي للكلمة، فلقد كان لبنان مقصدا لأبناء مختلف الجنسيات العربية وغير العربية للتعلم والطبابة والسياحة والاعمال والترفيه والتقاعد.
"ما منتلاقى إلا وقت اللي منتودّع!"
Smaller Bigger
مضى أكثر من عشر سنوات وأكثر منذ آخر مرة كنت فيها في العاصمة اللبنانية بيروت، تلك المدينة الآسرة التي عرفت عنها الكثير منذ أن بدأت مراحل التعليم الدراسي في المرحلة الابتدائية وذلك في مدرسة المروج بجوار السفارة الكويتية ومدينة الملاهي المعروفة باسم "الكوكودي"، وبعدها انتقلت إلى مدرسة أخرى كانت تعتبر إحدى قلاع العلوم والتعليم والمعرفة في منطقة الشرق الأوسط بأسرها واقصد هنا مدرسة برمانا.
 
تلك التجارب التي فتحت عيني على تجربة التعايش بالمعنى الحقيقي للكلمة، فلقد كان لبنان مقصداً لأبناء مختلف الجنسيات العربية وغير العربية للتعلم والطبابة والسياحة والأعمال والترفيه والتقاعد. كانت للبنان قوة جذب استثنائية تميزه من مناخ حر ومفتوح إلى تسهيلات للعيش لا قيود فيها إلى حرية تامة وسرية كبيرة لتحرك الأموال والبشر بالإضافة إلى حرية رأي انعكست على النشاط الإعلامي والفني والثقافي فيه بشكل هائل.
 
في هذا المناخ الاستثنائي كنت منفتحاً للتعرف الى كل جديد. من التعرف الى الكنافة بالكعك إلى الصفيحة البعلبكية إلى تذوق "الحميضة" من وسط الطبيعة إلى تذوق فيروز وفيلمون وهبي وزكي ناصيف وزياد الرحباني مروراً بجبران خليل جبران وإيليا أبو ماضي وصولاً الى أمين معلوف وميشال أبو جودة وبيار صادق. مناخ أتاح لي شرف اللقاء الشخصي بعمالقة من طراز رفيع من أمثال الأستاذ غسان تويني والسيد حسين الحسيني وفؤاد بطرس. أنا من جيل ينقرض، جيل لم يعرف سوى لبنان الجميل، جيل التقى نماذج ناجحة ومتألقة من أبناء لبنان في لبنان وخارجه. جيل كان يحب ويحترم لبنان بخصوصيته وتركيبته المعقدة ويتشوق للسفر إليه دائماً.
 
ولكني أرى وأراقب واتمعن بعمق في آثار التغييرات الهائلة والدقيقة على المكونات اللبنانية من الداخل وتسليمها تماماً إلى شكل جديد وخطير من أشكال الاستعمار الحديث، استعمار من الداخل وتحت تهديد السلاح لمصلحة بلد آخر على حساب تاريخ علاقات لبنان التاريخية مع محيطه العربي، وكان من الطبيعي ومع مرور الوقت أن يشعر الزائر العربي بأنه بات في مكان غريب، مكان لا يعرفه وغير مرحب به فيه، مكان مخيف.
 
ومع زيادة هذا الإحساس وارتفاع تلك المشاعر لدى عدد غير بسيط من الناس أصبحت الحالة عامة وتراكمية لدى أرتال كبيرة من المجتمعات العربية وليست حالات فردية محدودة. وتكبر الفجوة وتتسع الهوة ويزداد البعد ويتمادى الجفاء، واليوم أكثر من أي وقت مضى يصبح اختيار اللبنانيين لمستقبل بلادهم مصيرياً وجودياً بكل ما تعنيه الكلمة، فاختيار الرئيس القادم ورئيس الحكومة القادم يتجاوز اختيار الأشخاص بقدر ما هو اختيار توجه عام مع المحيط العريي بعيداً من الشعارات التي لم يعد من يرفعونها أنفسهم يصدقونها.
 
فحزب المقاومة نفسه قام بالتطبيع مع "الدولة الصهيونية" ولكن كعادة كل شيء في لبنان فهو تطبيع غير تقليدي وإنما "اورجينال وغير شكل"، اتفاق لبنان وإسرائيل الذي حصل برعاية أميركية هو توافق على الحدود وإعلان سلام واحترام مصالح. هذا هو الواقع الذي يجب التعامل معه.
 
هل سأعود إلى لبنان مجدداً؟ حقيقة لا أستطيع الإجابة بجزم عن هذا السؤال، والمفاجأة المذهلة هي أن رأيي هذا ليس برأي اقلية أبداً. لا أحد يريد الذهاب إلى بلد لم يعد يشبه ما كان يشتاق إليه ويحن دوماً إليه، بلد فيه الذكرى والحنين والشجن تحول إلى بلد غريب مملوء بالحزن والألم والغربة.
 
غربة الإنسان بعيداً من مجتمعه مسألة معروفة وتم تداولها مراراً وتكراراً بكثافة ولكن غربة البلدان عن محيطها فتلك مسألة تستحق الاهتمام والتأمل، فعدم الانتماء والإحساس بالقلق والشك والحذر والريبة والخوف ستحل مكان الطمأنينة والتكامل والأمان والاستقرار والانسجام وهذه لعمري مشاعر لا تعوض ولا يمكن استبدالها أبداً.
 
بلد غنت فيه فيروز لمكة والقدس ومصر وبغداد والشام يمجد إرهابيين يتفاخرون بقتل مواطني تلك الأماكن. أنه التحول المؤلم والانقلاب القبيح. الاختيار موجود لدى كل لبناني حر في أن يوجه بلاده للطريق المراد والدرب المنشود نحو الهدف المأمول. لا يزال السؤال الذي سألته السيدة فيروز بشكل درامي حينما قالت مدوية "سألوني شو صاير ببلد العيد؟" ولا يزال الكل ينتظر شكل المولود القادم بعد أن بشرت بقولها "قلت لهم بلدنا عم يخلق جديد".
 
ساعة الرمل مستمرة في إسقاط حبات الرمل منها والوقت يمضي سريعاً من عمر يتناقص، كل من بقيت له ذكرى في لبنان حماها في طيات الذاكرة وحافظ على أنفاسها الطيبة يصارع بين أمل العودة والواقع المؤلم المستحيل.
 
حتى الأرز خاف على لبنان وآثر الرحيل بعد انخفاض أعداده بشكل مهول، وقرر الهجرة هو الآخر ليلحق بشعبه الذي سبقه بالرحيل.. "وركبوا عربيات الوقت وهربوا بالنسيان وتركوا ضحكات ولادن منسية عالحيطان "..سأبقى ويبقى غيري من أعضاء نادي محبي لبنان يتساءل بحرقة: "شو بيبقى من الرواية؟".

 
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال 5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
كتاب النهار 5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان 5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر