إذا كانت اليونان وقبرص ومصر يعتبر كلٌ منها التدخلات السياسية والمناورات العسكرية التركية تهديداً لأمنها القومي، فإن أكثر من دولة في الخليج العربي باتت تعتبر تركيا "عامل تهديد لاستقرارها" و"تهديداً محتملاً جادّاً" لأمنها القومي كذلك.
ومَن يتمعن جيداً في كتب لافتة كتبها بعضٌ من أهم المفكرين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة الأميركية، يجد أنه كان هناك تفكير استباقي استشرافي عن دور تركيا (وإيران ومصر) المتعاظم في المنطقة.
الكتاب الأول كتبه المفكر جورج فريدمان بعنوان ذاتيّ الشرح "المئة عام المقبلة"، وفيه توقع دوراً متعاظماً جداً لتركيا في منطقة الشرق الأوسط عموماً.
ولم يكن هذا هو الرأي المهم الوحيد في هذه المسألة، ولكن كان هناك كتاب آخر لا يقل أهمية عن الكتاب الأول للمؤلف ستيفن كينزر بعنوان "إعادة تهيئة"، وفيه يتوقع الكاتب نمواً متعاظماً للدور التركي (وإيران) في بلدان المنطقة، علماً أن رؤية هذين الكتابين راجعتهما بجدية إدارة أوباما، وقدّما الأرضية الفكرية التي بُني عليها الاتفاق النووي بين إيران وأميركا والدول الأوروبية المشاركة معها.
إيران، منذ قيام نظامها المبني على الثورة الخمينية في 1979 وخطّها ونهجها الثوري الطائفي الانقلابي الدموي معروف وبصماته واضحة، فمشروعها عقائدي بامتياز كما ظهر ذلك في الهلال الفارسي من العراق، مروراً بسوريا وصولاً إلى لبنان، والمحاولات التي لا تتوقف في اليمن والبحرين والكويت.
أما الدور التركي فهو الانقلاب الحقيقي في التحالفات والمواقف. بعد سنوات طويلة ومضنية من محاولات تركيا الحصول على عضوية الاتحاد الأوروبي، أدركت أنه لأسباب واضحة، زادت أهميتها في عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) الذي شهد شرخاً عميقاً في علاقات الغرب بالمسلمين، فاستدارت وركّزت تركيزاً مكثفاً على العالم العربي، وأغرقته في نوستالجيا القوى الناعمة التركية ودغدغت مشاعر قديمة بين تركيا ودول المنطقة، فانتشرت أفواج السياحة العربية عموماً والخليجية تحديداً في تركيا، وتدفقت الاستثمارات البينية، وانتشرت المنتجات التركية في الأسواق انتشاراً مكثفاً وغير مسبوق، وحظيت المسلسلات التركية بمتابعة قياسية تفوّقت على معدلات المشاهدة لمثيلاتها العربية.
وكانت طوال هذه الفترة على وفاق وتناغم تام مع دول الخليج في معظم القضايا الكبرى في المنطقة. ولكن مع مرور الوقت، تبين أن لتركيا مشروعها في المنطقة، هو مشروع يستدعي عودة إلى مواقع وجودها ونفوذها العثماني القديم، تماماً كما يظهر من وجودها في سوريا وليبيا وقطر ومحاولة وجودها في العراق والسودان.
حاولت تركيا أن تقامر بأدوار "جديدة"، مستغلة الانسحاب الأميركي من المنطقة وطموح روسيا المتزايد وتوسع نفوذ إيران، وأغرقت السوق العراقية في محاولة منها للهيمنة عليها، وتمكنت تركيا لوقت قصير من الهيمنة الاقتصادية في العراق، ولكن بقي الشأن السياسي في قبضة إيران.
وهنا قررت تركيا (بعد إقناعها من قبل روسيا) بالتعاون مع إيران في سوريا، وكانت النظرة التركية مركزة على الغاز الإيراني للحصول على مصدر رخيص وثابت للطاقة.
بعدها، انفتحت شهية تركيا على الخليج، بعدما تلقت "عرضاً استسلامياً" من قطر لإقامة قاعدة عسكرية على أرضها، الغرض الأساسي منها حماية النظام في قطر في مقابل تمويل قطري مفتوح للمشاريع الكبرى التي يعتمد عليها الاقتصاد التركي.
وحراك الأتراك الشرس والمستفز في البحر المتوسط ضد رغبات مصر واليونان وقبرص وفرنسا وألمانيا ونصف ليبيا، انعكس على دول الخليج هاجساً مقلقاً، ودفعها للتفكير في ما يمكنها القيام به، خصوصاً مع تسريبات تصدر من اسطنبول عن رغبة تركية في قاعدة عسكرية في سلطنة عُمان وفي اليمن.
وهذا الطموح التوسعي للأتراك في منطقة الخليج تأخذه دول الخليج العربي على محمل الجد، ولا تقلل منه أو تستهتر به. تركيا تحاول عبر مغامرات ومقامرات سياسية عسكرية رفع سقف أهدافها، تارة بالاعتماد على عضويتها في حلف الأطلسي (وهي تغامر بتلك العضوية مخالِفة بذلك شروط التسليح بصفقات تسليح من روسيا)، وتارة على علاقة أردوغان القديمة بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتارة على علاقته بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين.
في كل الأحوال، هناك تهديد جدي متصاعد يشكّله الحلم العثماني الأردوغاني وإعادة إطلاقه في شكل جديد. ولعل موقف أردوغان من اتفاق السلام بين الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل يصبّ تماماً في هذا الاتجاه، فبعيداً من موقفه المهدد بسحب سفيره من أبو ظبي "احتجاجاً" على الاتفاق، وما يشكله ذلك من مشهد كاريكاتوري ساخر، لأن العلاقات الدبلوماسية بين تركيا وإسرائيل قوية وقديمة، ولكن على ما يبدو أن الغرض هو "تهديد" الإمارات وليس الاعتراض على العلاقة مع إسرائيل. وليس ضرورياً أن تكون كل التهديدات من النوع العسكري.
أطماع تركيا في المنطقة ليست وليدة الصدفة، ولكنها هدف استراتيجي لها، ولذلك ليس غريباً ولا مفاجئاً أن تُعتبر تركيا تهديداً جدياً لأمن دول الخليج العربي.
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
اقتصاد وأعمال
5/20/2026 12:26:00 PM
توازيا مع عملية الإصدار، ستحتاج المصارف اللبنانية إلى تحديث برمجيات الصرافات الآلية وأجهزة عدّ الأموال للتعرف إلى الفئات الجديدة ومواصفاتها التقنية
اقتصاد وأعمال
5/22/2026 9:14:00 AM
اكتشف جدول أسعار المحروقات الجديد في لبنان مع تفاصيل أسعار البنزين والمازوت والغاز. تابع التحديثات وأحدث الأسعار هنا.
كتاب النهار
5/21/2026 5:35:00 AM
ليست المرة الأولى يطلق الحزب مثل هذه المواقف التصعيدية في وجه السلطة، لكنه تعمّد هذه المرة أن يكون أشدّ وضوحاً وجزماً وشراسة.
لبنان
5/21/2026 5:38:00 AM
لم يتضح بعد ما إذا كان "حزب الله" نزل عن الشجرة وإذا كان تكليف فضل الله التشاور مع عون فيه تراجع عن الرفض القاطع للتفاوض المباشر
نبض