28-02-2023 | 17:59

هالة كوثراني: الحرب تحضر في رواياتي لأنها ما زالت حاضرة في حياتنا!

​ ​ لا بد أن تواكب الآداب والفنون التبدلات التي طرأت على حياة الإنسان وأن تكون المرآة الفاضحة والصوت المنبّه. وهذا ما تفعله الروائية اللبنانية هالة كوثراني من خلال منجزها الروائي الذي تطرح فيه قضايا الإنسان عموماً والمرأة خصوصًا في مجتمعات الحرب المأزومة. وفي روايتها الصادرة حديثًا عن دار نوفل (هاشيت/ أنطوان) بعنوان "يوم الشمس"، تغوص هالة كوثراني في أزمنة معاصرة وماضية، لتطرح أزمات تكشف عن أبعادها السياسية والإجتماعية والثقافية. وذلك من خلال بنية سردية متمكنة ولغة جمالية تزخرفها بمستويات عدة تومئ الى اتساع خارطة الحكي عند الكاتبة. عن هذا العمل تحدثنا مع الكاتبة هالة كوثراني وكان لنا هذا اللقاء:
هالة كوثراني: الحرب تحضر في رواياتي لأنها ما زالت حاضرة في حياتنا!
Smaller Bigger
لا بد أن تواكب الآداب والفنون التبدلات التي طرأت على حياة الإنسان، وأن تكون المرآة الفاضحة والصوت المنبّه. وهذا ما تفعله الروائية اللبنانية هالة كوثراني من خلال منجزها الروائي الذي تطرح فيه قضايا الإنسان عموماً والمرأة خصوصاً في مجتمعات الحرب المأزومة.

وفي روايتها الصادرة حديثاً عن دار نوفل (هاشيت/ أنطوان) بعنوان "يوم الشمس"، تغوص هالة كوثراني في أزمنة معاصرة وماضية، لتطرح أزمات تكشف عن أبعادها السياسية والاجتماعية والثقافية. وذلك من خلال بنية سردية متمكنة ولغة جمالية تزخرفها بمستويات عدة، تومئ إلى اتساع خريطة الحكي عند الكاتبة.

تدور الرواية حول بطلة تُدعى "رؤيا"، تبحث عن مصير أمها القتيلة والتي ورثت منها رسم الحروف والأشكال، "ترسمها مفكّكة ملوّنة معبّرة تجتمع فيها متعة البصر وتخيّل سماع موسيقى الحروف والرغبة في اللمس". وتمتد الأحداث خلال زمنين متداخلين، ربيع ١٩٨٥ وربيع ٢٠١٩، نتابع خلالها الشخصية الرئيسة وهي تحاول الهروب من الماضي والتعامل مع الحاضر بلامبالاة.

لكنّ رحلتها الداخلية تحمل لها التغيير، بحيث تعبّر فضاءات ومسارات مختلفة عبر تشابك مع شخصيات أخرى متعددة منها  زينب وعليا ومالك ونديم والأب الذي محا المرض ذاكرته بعدما كان حضوره في حياة ابنته ممحواً، اضافة الى الأم والعمة الحاضرتين الغائبتين" في حياة رؤيا مثل الحروف الهائمة التي أرادتها جزءاً من هويتها. علماً أنّ صفحات الرواية تضمّ حروفاً خطتها الفنانة المبدعة كارلا سالم.. 

بعد مسيرة أدبية ممتدة على مدار أكثر من ستّ روايات، مثل «الأسبوع الأخير» (٢٠٠٦) و«استديو بيروت» (٢٠٠٨) و«علي الأميركاني»، الحائزة جائزة أفضل رواية عربية في معرض الشارقة  (٢٠١٢) و«كاريزما» (٢٠١٤) و«يومان ونصف» (٢٠١٩)، وعن دار هاشيت أنطوان كتاب «غابريال شانيل: خيوط حياتها» (٢٠١٧) و«يوم الشمس» (2022)، تأتي رواية هالة كوثراني الجديدة لتكرّس حضورها في عالم الرواية العربية الحديثة. وللحديث عنها كان لنا معها هذا الحوار:

 

 

* تبدو "رؤيا" بطلة روايتك الأحدث "يوم الشمس"، كأنها هي الرمز للمرأة اللبنانية التي عاشت سنوات الحرب بكل عنفها وقسوتها. إنها هي النسخة الأخرى من أمّها، رغم ابتعادها منها. فهل قصدت أن تكون بطلتك اختصاراً لمآسي النساء من جيل الحرب؟

رؤيا من الجيل الذي تشكّل وعيه خلال أبشع أعوام الحرب الأهلية. نشأتْ في حيّ بيروتي لم يفقد نسيج التنوّع، تنوّع طائفي مذهبي طبقي، فيما مناطق بيروتية أخرى كانت محميات لا يدخلها "الآخرون"، أي مَن هم من طوائف مختلفة عن طوائف سكّانها. لكن الحرب لم تكن المأساة الوحيدة في حياة "رؤيا"، بل إنّ لغياب أمها أو تغييبها الأثر الأهم في وعيها وحياتها. وهناك أيضاً الموهبة التي انتقلت بالوراثة (التواطؤ الطبيعي غير المقصود) من الأمّ الغائبة/ المغيّبة إلى الابنة اليتيمة بالقوة. "رؤيا" تهرب من الماضي لترتطم به وتدرك أنّ هروبها مستحيل وأنّ فهم الماضي، كي لا نقول مواجهته، ضروري. كما أنها تكتشف أن الماضي لا يتطوّر في حياة أهل بلدها ومدينتها، فالحاضر ليس فرصة للتعلّم من الأخطاء بل لإعادة إنتاج الماضي الأليم. تجد "رؤيا" نفسها في مواجهة الماضي، وتقرّر البحث عن قاتل أمّها، إلا أنها في الحقيقة تبحث عن نفسها في مدينة معنِّفة على مستويات مختلفة. تدرك "رؤيا" أن الاعتراف بالماضي ومواجهته وأحياناً تحدّيه أمور ضرورية كي يحصل التغيير أو التطوّر (على مستوى حيوات الأفراد والمجتمعات).

 

* في معظم أعمالك الروائية هناك الحرب والتشتت واقتلاع المرأة من جذورها إنسانياً/ نسوياً وفنياً إبداعياً، وهذا ما قرأناه أيضاً في "يوم الشمس". فلماذا الإصرار على نقد الذات والداخل اللبناني، وهل انتهت الحرب روائياً وزمنياً بالنسبة للروائية/ الإنسانة هالة كوثراني؟

أسباب الحرب قائمة ولم تختفِ حتى حين تَقرّر أنها انتهت وأُعفي عن قادة الميليشيات ومُحيت ذنوبهم وأصبحوا "رجال" الدولة (لأن لا نساء في الدولة)، فكيف تنتهي الحرب في الرواية؟ وعمّ نكتب إذا لم نكتب استمرار الحرب بأدوات وأساليب أخرى، وإذا لم نرسم بالكلمات الواقع وتشوّهاته لنشير إليها وندينها ونطرح أسئلتنا؟ الحرب والتشتّت والاقتلاع والأثمان التي تدفعها المرأة حقائق ومصائر نعيشها، ولا بدّ من أن نكتبها ونعيد إنتاجها إبداعياً. أوليس ما يعيشه اللبنانيون اليوم أكبر برهان على أنّ الحرب لم تنته!

 

 

* لماذا تركزين غالباً على رسم شخصيات نسائية؟ وهل تعتقدين أن النساء هنّ أكثر من يدفعن ثمن الصراعات في مجتمعاتهن المأزومة؟

لطالما اعتبرتُ الشخصيات الروائية النسائية أكثر إثارة للاهتمام وأشدّ عمقاً. الأمّ في هذه الرواية ليست أماً تقليدية، أي أنها لا ترى الأمومة محواً لوجودها كي يقال إنها "مقدّسة" وإنّ "الجنّة تحت قدميها". أرادت مي، الأم في هذه الرواية، أن تكون أماً من دون أن تتخلّى عن موهبتها ومهنتها، لكن الزوج/الأب، الذي يمثّل المجتمع، لم يسمح لها بذلك، بل سعى إلى الانتقام منها عندما قررت أن تتركه. بعدما أدركت أن زواجها كان غلطة فُرض عليها أن تدفع ثمن قولها "لا"، فأُبعدت ابنتها منها. هو القصاص الذي أنزله المجتمع بمَن لم تتعامل مع الأمومة على أساس أنها "واجب مقدّس". وهذه أمور تحصل بالفعل، نراها حولنا ونشهد تفاصيلها. وهو ظلم يستحق أن يطرحه عمل إبداعي وأن يشير إليه. لا يعني ذلك أن ثمة حرباً مستعرة بين المرأة والرجل. ثمة أزواج يدعمون زوجاتهم الموهوبات أو العاملات، خصوصاً بعد أن يصبحن أمّهات. هناك نماذج نسائية مختلفة في الرواية، زينب على سبيل المثال ناضلت لتحقّق أهدافها الأكاديمية وتبرع في مهنتها وتبني عالمها بعقلها ويديها بعيداً من ظروف عائلتها المتواضعة، فيما شقيقها مالك خرج من عباءة الفقر بالانتماء إلى الميليشيا. هما نموذجان موجودان، يعيشان بيننا.

 

* في يوم الشمس هناك الكثير من سرد الكنايات والتورية وتفعيل الرموز في اللغة الوحشية والقسوة، بل والسرد الكاشف الصادم، فليتك تحدثيننا عن مساحات الدافع الواقعي المعيشي والحياتي اليومي الذي دفعك إلى الطرح أو التفكير في هذه الرواية في هذا التوقيت بالذات؟

خلال عزلة "كورونا" فكرت في هشاشتنا، وتساءلت عن أهمية الكتابة التي لا يمكن أن تنقذ حياة معلّقة يجذبها الموت إليه. في العزلة قرأنا كتباً وأعدنا قراءة أخرى كي نصارع الوقت حين يكون ثقيلاً، وكي نختبر وهم الإنجاز ونحن لا نقوم بأي شيء. شعرت بالموت قريباً، وبأنّ الكتب عاجزة عن إبعاده، عن إنقاذ مريض في غرفة العناية الفائقة. وكانت الكلمات التي تردّدت في الساحات في مدن عربية مختلفة، وفي بيروت في أواخر عام 2019، قد عجزت عن التغيير، وتلاشى تأثيرها أمام تلاشي فعل التنظيم أو انتفائه. شعرت بأنّ اللغة قاصرة عن مواكبة الفظائع، من انتقام الطبيعة إلى ظلم الإنسان. لذا "رؤيا" التي تحب الحروف تكتفي برسمها مفكّكة، تفضّل أن ترسمها في اللوحة كأشكال فنية بدلاً من أن تنسج بها معانيَ. كانت رغبة في الانتصار للفن وتأثيراته وألوانه، وفي تقديم تحية للحروف العربية المؤثرة والمعبّرة بأشكالها قبل أن يتحوّل اتصال الأشكال إلى معانٍ. 

 

 
 

* تطرح روايتك مسألة الخط والفن التشكيلي ودلالات الألوان وتجريداتها الصارخة، فهل تعمدت تتبّع هذا الفن وقراءة تفاصيله من أجل روايتك، أم أنّ هناك علاقة فعلية تجمعك بمدارس الفن التشكيلي؟

الوقوف أمام عمل فني، تأمّله ومحاولة تفكيك أسراره والبحث عن معناه وعن سبب تأثري به هو مشهد أعشقه، أعيشه وأتخيّله، أدوّنه أيضاً. زرت وأزور متاحف كثيرة، وأحرص على متابعة المعارض والأعمال الفنية، كما أدوّن دوماً ما أراه في عمل يحاورني، أكتب ملاحظات وأحلّل العلاقة بين الألوان... هذه الكتابات أو الملاحظات وجدت طريقها إلى نصّي الروائي. في هذه الرواية الفن البصري ينتصر على اللغة المكتوبة في قدرته على التعبير. النصّ مقصّر، فيما اللوحة قادرة على أن تفيض بالمعاني وأن تترك أثراً.

 

* في ظل الحروب العسكرية وعبر الأوبئة وكذلك العصف بالهويات والجغرافيا والأعراق والأديان، كيف ترى الكاتبة الروائية هالة كوثراني مستقبل الفنون والآداب ومسارات وماهية الأفكار في المستقبل القريب/ البعيد؟

لا بد من الشكّ.. ويحقّ لنا أن نشكّ بالكتابة، بالمعاني والأفكار، بجدوى الآداب والفنون، كما طرحتَ في سؤالك. لكنّ الشكّ يعزّز أهمية طرح الأسئلة، وأحد أدوار الإبداع الأساسية هو طرح الأسئلة. وفي مواجهة نكبات النظام النيوليبرالي وما يرسّخه من فروق طبقية مخيفة وظلم اجتماعي رهيب، والحروب واتساع رقعة الشعبوية، والمجازر البيئية التي لم يتوقف الإنسان عن اقترافها بحق الطبيعة برغم تهديدها حياته على الكوكب برمّته، لا يمكن أن يتم التخلّي عن الإشارة إلى الظلم أو تأريخ قصص المهمّشين أو التركيز على "الإنساني" الذي يجمع بيننا أينما كنّا وحيثما حللنا. إهمال بعض الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الإنسانيات مؤسف لأنّنا في عالم يعتمد أكثر فأكثر على الذكاء الاصطناعي، نحتاج إلى التمسّك بمعرفة الإنسان وتاريخه ولغاته وما قدّمه ويقدّمه من فنون، والغوص في الحاجة إلى فهم معنى وجودنا والتعبير عنه ونقد هذا التعبير وتحليله، من أجل تخيّل حاضر مختلف. ثورةُ التواصل والمعلومات والاعتمادُ على التكنولوجيا الرقمية أفادانا في أمور شتى، لكنهما كبّلانا أيضاً، نحن الآن أقل حرية وأكثر وحدة وتمسّكاً بهويات ضيقة. لا بد أن تواكب الآداب والفنون والتبدلات التي طرأت على حياة الإنسان وأن تكون المرآة الفاضحة والصوت المنبّه.   

 

* بين رؤيا وعليا، ثمة مساحات للتلاقي بين الامرأتين، سردياً ودلالياً، ولكن من هي الشخصية الأقرب لسرديتك وتكوينك الإنساني/ الوجداني الثقافي أو حتى الحياتي الواقعي؟

إذا كانت "رؤيا" امرأة قلقة وحزينة تبتكر لنفسها ألاعيب بهدف الهروب من الماضي الذي يطاردها كظلّها، فإن عليا لا تحتاج إلى ابتكار الألاعيب ولا إلى الهروب، فهي لا تعقّد الأمور بل تفكّكها لأنها قادرة على أن تراها واضحة، من دون دراما... من هذه الناحية في شخصية عليا خفّة مطلوبة لمواجهة ثقل تاريخ "رؤيا" الشخصي. كما أنّ عليا نشأت مع أم عاملة قوية وحرّة، في بيت لم تدخله الأحقاد. رؤيا وعليا شخصيتان تمثلان امرأتين قويتين ذكيتين تتعامل كلّ منهما بطريقة مختلفة مع ظروف الحياة في مجتمع لا ينفك يتعرّض لصدمات. لا تشبهني أيّ من الشخصيتين، بمعنى أنّ ظروفي بعيدة كل البعد من ظروفهما، ما يجمعني بهما وبـ"رؤيا" تحديداً هو المكان أو العلاقة بالمكان التي تظهر من خلال طوافها في بيروت وأزقّتها، وميراث الحرب الأهلية، وذكرى معارك الشوارع (برغم أنني أصغر سناً من الشخصية الرئيسة أي من "رؤيا").

 

* وإلى أي طرق الخلاص تسعى الكاتبة الروائية هالة كوثراني بعد أن تنتهي من كتابة نصها، أم أن الكتابة هى سلوى لكاتبها أو كاتبتها ليس إلّا؟

بعد الكتابة أكتب مجدداً وأقرأ بالتأكيد. الكتابة مقاومة عبث الوجود ومحاولة للتحكّم بالوقت الذي يسيل، من خلال ادعاء إنجازٍ ما، كتابة نصّ ما أو عمل إبداعي. تساعد الكتابة على فهم مواقف وظروف نشهدها ونجد أنفسنا في مواجهتها، باختيارنا أو رغماً عنها. أكتب هذه المواقف والحوادث والظروف لأفهمها. أمنح الحوادث التي تبدو لي غير منطقية منطقَ الكتابة. في النص أتلصّص على العالم ثم أدوّنه لأفهمه.

الأكثر قراءة

مجتمع 5/15/2026 11:54:00 AM
فيديو يظهر إشكالاً في الناعمة يتطور لتضارب ودهس، مما يؤدي لمقتل امرأة وإصابة آخرين.
فن ومشاهير 5/3/2026 11:16:00 AM
حصدت إيميليا إعجاباً واسعاً، وتحوّلت رقصتها إلى موجة يقلّدها الجمهور وصنّاع المحتوى.